أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

499

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الميم للاتباع ، لكسرة السين ولم يعتدوا بالساكن ، لأنه حاجز غير حصين كقولهم : « منتن ومنخر » . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 24 إلى 25 ] فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 24 ) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) قوله : مِنْ تَحْتِها . قرأ الأخوان ونافع وحفص بكسر ميم « مِنْ » وجر « تَحْتِها » ، على الجار والمجرور ، والباقون بفتحها ونصب « تَحْتِها » . فالقراءة الأولى تقتضي أن يكون الفاعل في « نادى » مضمرا ، وفيه تأويلان : أحدهما : هو جبريل ، ومعنى كونه « مِنْ تَحْتِها » : أنه في مكان أسفل منها ، ويدل على ذلك قراءة ابن عيسى : « فناداها ملك من تحتها » . فصرّح به ، و « مِنْ تَحْتِها » على هذا فيه وجهان : أحدها : أنه متعلق بالنداء أي جاء النداء من هذه الجهة . والثاني : أنه حال من الفاعل ، أي : فناداها وهو تحتها ، وثاني التأويلين : أن الضمير لعيسى ، أي فناداها المولود من تحت ذيلها . والجار فيه الوجهان ، من كونه متعلقا بالنداء ، أو بمحذوف على أنه حال ، والثاني أوضح ، والقراءة الثانية تكون فيها « مِنْ » موصولة والظرف صلتها ، والمراد بالموصول إما جبريل وإما عيسى . قوله : أَلَّا تَحْزَنِي يجوز في « أن » أن تكون مفسرة ، لأنه تقدم عليها ما هو بمعنى القول ، و « لا » على هذا ناهية ، وحذف النون للجازم ، وأن تكون الناصبة ، و « لا » حينئذ نافية ، وحذف النون للنصب ، ومحل « أن » إما نصب أو جر ، لأنها حذف حرف الجر ، أي : فناداها بكذا والضمير في « تَحْتِها » إما ل « مَرْيَمَ » ، وإما ل « النَّخْلَةِ » والأول أولى لتوافق الضميرين . قوله : « سَرِيًّا » يجوز أن يكون مفعولا أول ، و « تَحْتَكِ » ثان ، لأنها بمعنى : صيّر ، ويجوز أن تكون بمعنى : خلق فيكون « تَحْتَكِ » لغوا . والسّريّ : فيه قولان : أحدهما : أنه الرجل المرتفع القدر من سرو يسرو ، ك « شرف يشرف » ، فهو سريّ وأصله : سريو فأعلّ إعلال سيّد فلامه واو . والمراد به في الآية عيسى عليه - السّلام - ويجمع سريّ على سراة بفتح السين ، وسرواء ك « ظرفاء » ، وهما جمعان شاذان ، بل قياس جمعه : أسرياء ك « غني » وأغنياء . وقيل : السّريّ من سروت الثّوب ، أي : نزعته ، وسروت الحبل عن الفرس ، أي : كأنّ السّريّ سرى ثوبه بخلاف المدثّر والمتزمّل . قاله الراغب . والثاني : أنه النّهر الصّغير ويناسبه « فَكُلِي وَاشْرَبِي » ، واشتقاقه من : سري يسرى ، لأنّ الماء يسري فيه ، فلامه على هذا ياء ، وأنشد لبيد : 3251 - فتوسّطا عرض السّريّ وصدّعا * مسجورة متجاورا قلّامها « 1 » قوله : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ يجوز أن تكون الباء في « بِجِذْعِ » زائدة كهي في قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا

--> ( 1 ) من معلقته انظر ديوانه ( 170 ) ، شرح القصائد العشر ( 272 ) ، الطبري ( 16 / 54 ) ، البحر المحيط ( 6 / 170 ) ، القرطبي ( 11 / 94 ) ، روح المعاني ( 16 / 83 ) ، اللسان « سجر » .