أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
493
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من « عِتِيًّا » ، لأنه في الأصل صفة كما قررته لك . الثاني : أن يكون مصدرا مؤكدا لمعنى الفعل ، لأنّ بلوغ الكبر في معناه . الثالث : أنه مصدر واقع موقع الحال من فاعل « بَلَغْتُ » أي : عاتيا أو ذا عتى . الرابع : أنه تمييز . وعلى هذه الأوجه الثلاثة ف « مِنَ » مزيدة . ذكره أبو البقاء . والأول هو الوجه ، والعتوّ : بزنة فعول وهو مصدر عتا يعتو ، أي : يبس وصلب . قال الزمخشري : وهو اليبس والجسارة في المفاصل والعظام ، كالعود القاحل ، يقال : عتا العود وعسا أو بلغت مدارج الكبر ومراتيه ما يسمّى « عِتِيًّا » . يريد بقوله : « أو بلغت » أنه يجوز أن يكون : عتيّا يعتو أي : فسد والأصل : عتوو بواوين فاستثقل واوان بعد ضمتين فكسرت التاء تخفيفا فانقلبت الواو الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، فاجتمع ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فلقبت الواو ياء وأدغمت منها الياء الأولى . وهذا الإعلال جار في المفرد كهذا ، والجمع نحو : عصيّ ، إلا أن الكثير في المفرد التصحيح كقوله : « وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً » ، وقد يعلّ كهذه الآية والكثير في الجمع والإعلال ، وقد يصحح نحو : « إنّكم لتنظرون في نحوّ كثيرة » ، وقالوا : فتيّ وفتوّ . وقرأ الأخوان « عِتِيًّا » و « صِلِيًّا » و « جِثِيًّا » و « بُكِيًّا » بكسر الفاء للاتباع ، والباقون بالضم على الأصل ، وقرأ عبد اللّه بن مسعود بفتح الأول من « عتيّا » ، و « صليّا » جعلهما مصدرين على وزن فعيل كالعجيج والرّحيل . وقرأ عبد اللّه ومجاهد « عسيّا » بضم العين وكسر السين المهملة . وتقدم اشتقاق هذه اللفظة في الأعراف « 1 » وتصريفها . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 9 إلى 12 ] قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 ) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) قوله : كَذلِكَ . في محل هذه الكاف وجهان : أحدهما : أنه رفع على خبر ابتداء مضمر ، أي : الأمر كذلك ، ويكون الوقف على « كَذلِكَ » ، ثم يبتدأ بجملة أخرى . والثاني : أنها منصوبة المحل فقدّره أبو البقاء ب « أفعل » مثل : ما طلبت ، وهو كناية عن مطلوبه . « فجعل ناصبه مقدّرا ، وظاهره أنه مفعول به » . وقال الزمخشري : « أو نصب ب « قالَ » ، و « ذلك » إشارة إلى مبهم يفسّره هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ » ونحوه : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ . وقرأ الحسن : « وهو عليّ هيّن » ولا يخرج هذا إلّا على الوجه الأول ، أي : الأمر كما قلت ، وهو على ذلك يهون عليّ ، ووجه آخر وهو أن يشار بذلك إلى ما تقدم من وعد اللّه لا إلى قول زكريا ، و « قالَ » محذوف في كلتا القراءتين ، أي : قال هو عليّ هين ، قال وهو
--> ( 1 ) آية ، رقم ( 77 ) .