أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
49
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين كتبه اللّه وأثبت فيه صور تلك المعلومات . قلت : فقد آل الأمر إلى أنه جعله استثناء مفرغا ، وهو حال من « أَصْغَرَ ، و أَكْبَرَ » وهو في قوة الاستثناء المتصل ولا يقال في هذا أنه متصل ولا منقطع ، إذ المفرغ لا يقال فيه ذلك . وقال الجرجاني : « إِلَّا بمعنى الواو » ، أي : وهو في كتاب مبين ، والعرب تضع موضع واو النسق كقوله : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ « 1 » - إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ . « 2 » وهذا الذي قاله الجرجاني ضعيف جدا ، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في البقرة « 3 » ، وأنه شيء قال به الأخفش ، ولم يثبت ذلك بدليل صحيح . قال الشيخ أبو شامة : « ويزيل الإشكال أن يقدر قبل قوله « إِلَّا فِي كِتابٍ » ليس شيء من ذلك إلا في كتاب ، وكذا يقدر في آية الأنعام ، ولم يقرأ في سبأ إلا بالرفع ، وهو يقول قول من يقول إنه معطوف ، وسببه أن « مِثْقالِ » فيها بالرفع ، إذ ليس قبله حرف جر . وقد تقدم الكلام على نظير هذه المسألة والإشكال فيها في سورة الأنعام في قوله : « وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ » إلى قوله : « إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ » ، وأن صاحب النظم الجرجاني هذا أحال الكلام فيها على الكلام في هذه السورة ، وأن أبا البقاء قال : « لو جعلناه كذا لفسد المعنى » . وقد بينت تقرير فساده والجواب عنه في كلام طويل هناك ، فعليك باعتباره ونقل ما يمكن نقله إلى هنا . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 63 إلى 65 ] الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 64 ) وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 65 ) قوله : الَّذِينَ آمَنُوا . في محله أوجه : أحدها : أنه مرفوع على خبر ابتداء مضمر ، أي : هم الذين آمنوا أو على أنه خبر ثان لإنّ ، أو على الابتداء والخبر الجملة من قوله : لَهُمُ الْبُشْرى . والثاني : على النعت على موضع « أَوْلِياءَ » ، لأن موضعه رفع بالابتداء قبل دخول « إِنَّ » أو على البدل من الموضع أيضا ذكرهما مكي ، وهذان الوجهان على مذهب الكوفيين ، لأنهم يجرون التوابع كلها مجرى عطف النسق في اعتبار المحل وقيل : محله الجر بدلا من الهاء والميم في « عَلَيْهِمْ » وقيل : منصوب المحل نعتا ل « أَوْلِياءَ » أو بدلا من « هُمْ » على اللفظ أو على إضمار فعل لائق وهو أمدح فقد تحصل فيه تسعة أوجه : الرفع في خمسة والجر من وجه واحد والنصب من ثلاثة ، وإذا لم تجعل الجملة من قوله « لَهُمُ الْبُشْرى » خبرا ل « الَّذِينَ » جاز فيها الاستئناف ، وأن يكون خبرا ثانيا ل « إِنَّ » أو ثالثا . قوله : فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يجوز فيه وجهان : أظهرهما : أنه متعلق ب الْبُشْرى أي : البشرى تقع في الدنيا ، وفسرت بالرؤيا الصالحة . والثاني : أنها حال من « الْبُشْرى » فتعلق بمحذوف والعامل في الحال الاستقرار في « لَهُمُ » لوقوعه خبرا . وقوله : لا تَبْدِيلَ جملة مستأنفة . وقوله : ذلِكَ إشارة ل الْبُشْرى وإن كانت مؤنثة ، لأنها في معنى
--> ( 1 ) سورة النساء ، آية : ( 148 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية : ( 150 ) . ( 3 ) انظر سورة البقرة ، آية : ( 150 ) .