أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

50

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

التبشير . وقيل : هو إشارة إلى النعيم ، قاله ابن عطية . وقال الزمخشري : و « ذلِكَ » إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين . قوله : إِنَّ الْعِزَّةَ . العامة على كسر « إِنَّ » استئنافا ، وهو مشعر بالعلية . وقيل : هو جواب سؤال مقدر كأن قائلا قال : لم لا يحزنه قولهم وهو مما يحزن ؟ فأجيب بقوله : إنّ العزّة للّه جميعا ليس لهم منها شيء ، فكيف يبالي لهم وبقولهم ، والوقف على قوله : « قَوْلُهُمْ » ينبغي أن يعتمد ويقصد ثم يبتدأ بقوله « إِنَّ الْعِزَّةَ » وإن كان من المستحيل أن يتوهم أحد أن هذا من مقولهم إلا من لا يعتبر بفهمه ، وقرأ أبو حياة « أنّ العزّة » بفتح « أنّ » وفيها تخريجان : أحدهما : أنها على حذف لام العلة ، أي : لا يحزنك قولهم لأجل أن العزة للّه جميعا . والثاني : أن « أنّ » وما في خبرها بدل من قولهم كأنه قيل : ولا يحزنك أن العزة للّه وكيف يظهر هذا التوجيه أو يجوز القول به ؟ وكيف ينهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك في المعنى وهو لم يتعاط شيئا من تلك الأسباب وأيضا فمن أي قبيل الإبدال هذا ؟ قال الزمخشري : « ومن جعله بدلا من قولهم ثم أنكره فالمنكر هو تخريجه ، لا ما أنكره من القراءة به » يعني : أن إنكاره للقراءة منكر ، لأن معناها صحيح على ما ذكرت لك من التعليل ، وإنما المنكر هذا التخريج ، وقد أنكر جماعة هذه القراءة ونسبوها للغلط ولأكثر منه ، قال القاضي : « فتحها شاذ يقارب الكفر » . وإذا كسرت كان استئنافا ، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب . وقال ابن قتيبة : لا يجوز فتح « إِنَّ » في هذا الموضع ، وهو كفر وغلو . قال الشيخ « 1 » : « وإنما قالا ذلك بناء منهما على أنّ « إِنَّ » معمولة لقولهم » . قلت : كيف تكون معمولة لقولهم وهي واجبة الكسر بعد القول ، إذا حكيت به ، كيف يتوهم ذلك ، وكما لا يتوهم هذا المعنى في كسرها لا يتوهم مع فتحها ، ما دام له وجه صحيح . و « جَمِيعاً » حال من « الْعِزَّةَ » ، ويجوز أن يكون توكيدا ، ولم يؤنث بالتاء ، لأن « فعيلا » يستوي فيه المذكر والمؤنث لشبهه بالمصادر ، وقد تقدم تحريره في قوله : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ . « 2 » وقوله : قَوْلُهُمْ قيل : حذفت صفته لفهم المعنى ، إذ التقدير : ولا يحزنك قولهم الدال على تكذيبك ، وحذف الصفة وإبقاء الموصوف قليل ، بخلاف عكسه . وقيل : بل هو عام أريد به الخاص . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 66 إلى 67 ] أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 66 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 67 ) مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ . يجوز أن يراد به العقلاء خاصة ، ويكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى ، وذلك أنه تعالى إذا كان يملك أشرف المخلوقات وهما الثقلان العقلاء من الملائكة والإنس والجن ، فلأن يملك ما سواهم بطريق الأولى والأخرى ،

--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 176 ) . ( 2 ) أنظر سورة الأعراف ، آية : ( 56 ) .