أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
468
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقال الهذليّ : 3208 - أسيلات أبدان دقاق خصورها * وثيرات ما التفّت عليه الملاحف « 1 » وقال الشيخ « 2 » - في قراءة أبي بكر هذه - : « أنه زمان » . ولم يذكر غيره ، وجوّز غيره فيه الزمان والمصدر ، وهو عجيب . فإنّ الفعل متى كسرت عين مضارعه فتحت في الفعل مرادا به المصدر ، وكسرت فيه مرادا به الزمان والمكان . وجوّز أبو البقاء في قراءته أن يكون المفعل فيها مصدرا ، قال : « وشذّ فيه الكسر كالمرجع » . وإذا قلنا إنه مصدر ، فهل هو مضاف لفاعله أو مفعوله ، يجيء ما تقدم في قراءة رفيقه ، وتخريج أبي علي ، واستشهاده بالبيت ، والردّ عليه ، كل ذلك عائد هنا ، وأما قراءة الباقين فواضحة . و « مهلك » فيها يجوز أن يكون مصدرا مضافا لمفعوله ، وأن يكون زمانا ، ويبعد أن يراد به المفعول ، أي : وجعلنا شخصا ، أو الفريق المهلك منهم . والموعد مصدر ، أو زمان . قوله : وَإِذْ قالَ مُوسى . إذ : منصوب ب « اذكر » ، أو وقت قال لفتاه ، جرى ما قصصنا عليك من قوله : « لا أَبْرَحُ » يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن تكون ناقصة فتحتاج إلى خبر . والثاني : أن تكون تامة ، فلا تحتاج إليه ، فإن كانت الناقصة ففيها تخريجان : أحدهما : أن يكون الخبر محذوفا ، للدلالة عليه ، تقديره : لا أبرح أسير حتى أبلغ ، إلّا أنّ حذف الخبر في هذا الباب نصّ بعض النحويين على أنه لا يجوز ، ولو بدليل إلّا في ضرورة ، كقوله : 3209 - لهفي عليك للهفة من خائف * يبغي جوارك حين ليس مجير « 3 » أي : حين ليس في الدنيا محير . والثاني : أن في الكلام حذف مضاف ، تقديره : لا يبرح مسيري حتى أبلغ ، ثم حذف مسيري ، وأقيمت الياء مقامه ، فانقلبت مرفوعة مستترة بعد أن كانت مخفوضة المحل بارزة ، ويبقى « حَتَّى أَبْلُغَ » على حاله وهو الخبر . وقد خلط الزمخشري هذين الوجهين ، فجعلهما وجها واحدا ، ولكن في عبارة حسنة جدا ، فقال : « فإن قلت : « لا أَبْرَحُ » إن كان بمعنى لا أزول ، - من برح المكان - فقد دل على الإقامة ، لا على السفر ، وإن كان بمعنى : لا أزال ، فلا بد من الخبر . قلت : هي بمعنى لا أزال ، وقد حذف الخبر ، لأنّ الحال والكلام معا يدلان عليه ، أما الحال فلأنها كانت حال سفر ، وأما الكلام ، فلأن قوله : « حَتَّى أَبْلُغَ » غاية مضروية ، تستدعي ما هي غاية له ، فلا بد أن يكون المعنى : لا أبرح أسير حتى أبلغ ، على أنّ « حَتَّى أَبْلُغَ » هو الخبر ، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه ، وهو ضمير المتكلم ، فانقلب الفعل عن ضمير الغائب إلى لفظ المتكلم ، وهو وجه لطيف . قلت : وهذا على حسنه فيه نظر ، لا يخفى ، وهو خلوّ الجملة الواقعة خبرا عن « مسيري » في الأصل من رابط به ، ألا ترى أنه ليس في قوله : « حَتَّى أَبْلُغَ » ضمير يعود على « مسيري » ، إنما يعود على المضاف إليه المسير ، ومثل ذلك لا يكتفى به ، ويمكن أن
--> ( 1 ) البيت لعمر بن ربيعة وليس للهذلي كما في ديوان عمر ( 254 ) ، البحر ( 6 / 140 ) ، روح المعاني ( 15 / 307 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 140 ) . ( 3 ) تقدم .