أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

466

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فصّلها واحدا واحدا ، يعني : أن الإنسان أكثر جدلا من كلّ شيء يجادل ، فوضع « شَيْءٍ » موضع الأشياء ، وهل يجوز أن يكون « جَدَلًا » منقول من اسم « كانَ » ، إذ الأصل : وكان جدل الإنسان أكثر شيء ، وفيه نظر ، وكلام أبى البقاء يشعر بجوازه ، فإنه قال : فيه وجهان : أحدهما : أن « شَيْءٍ » هنا في معنى مجادل ، لأنّ أفعل يضاف إلى ما هو بعض له ، وتمييزه ب « جَدَلًا » يقتضي أن يكون الأكثر مجادلا ، وهذا من وضع العام موضع الخاص . والثاني : أنّ في الكلام محذوفا ، تقديره : وكان جدل الإنسان أكثر شيء ، ثم ميّزه ، بقوله : تقديره : وكأن جدل الانسان يفيد أنّ إسناد « كانَ » إلى الجدل جائز في الجملة ، إلّا أنه لا بدّ من تتميم لذلك ، وهو أن يتجوز فيجعل للجدل جدلا ، كقولهم : شعر شاعر ، يعني : أن لجدل الانسان جدلا هو أكثر من جدل سائر الأشياء . قوله : وَما مَنَعَ . قد تقدم في آخر السورة قبلها « 1 » . وقوله : قُبُلًا قد تقدم خلال القراء فيه ، وتوجيه ذلك . قوله : لِيُدْحِضُوا . متعلق ب « يُجادِلُ » . والإدحاض : الإزلاق ، يقال : أدحض قدمه ، أي : أزلقها ، وأزلّها عن موضعها ، والحجّة الدّاحضة التي لا ثبات لها لزلزلة قدمها والدّحض : الطّين ، لأنه يزلق فيه . قال : 3203 - أبا منذر رمت الوفاء وهبته * وجدت كما حاد البعير المدحض « 2 » وقال الآخر : 3204 - وردت ونجّى اليشكريّ حذاره * وحاد كما حاد البعير من الدّحض « 3 » ومكان دحض من هذا . قوله : وَما أُنْذِرُوا يجوز في « ما » أن تكون مصدرية ، وأن تكون بمعنى الذي ، والعائد محذوف . وعلى التقديرين فهي عطف على : « آياتِي . . . » و « هُزُواً » مفعول ثان ، أو حال . وتقدم الخلاف في « هزءا » . وتقدم إعراب ما بعد هذه الآية في الأنعام « 4 » . قوله : بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ . يجوز في الموعد أن يكون مصدرا أو زمانا أو مكانا . والموئل : المرجع ، من وأل يئل ، أي : رجع . وهو من التّأويل . وقال الفراء : الموئل : المنجى وآلت نفسه ، أي : نجت . قال الأعشى : 3205 - وقد أخالس ربّ البيت غفلته * وقد يحاذر منّي ، ثمّ ما يئل « 5 »

--> ( 1 ) الإسراء آية ، ( 95 ) . ( 2 ) لأبي كبير انظر ديوان الهذليين ( 2 / 104 ) ، الطبري ( 1 / 173 ) ، البحر ( 6 / 138 ) ، روح المعاني ( 15 / 299 ) ، اللسان « صرف » . ( 3 ) البيت لطرفة انظر شرح ديوان الحماسة ( 3 / 1165 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 409 ) ، البحر ( 6 / 132 ) ، الجمهرة ( 2 / 123 ) ، اللسان دحض . ( 4 ) انظر آية ، رقم ( 25 ) . ( 5 ) البيت في ديوانه ( ) ، شرح القصائد العشر ( 493 ) ، مجاز