أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
432
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يكون اللّه ، وأن يكون الرسول . و « أنذر » . يتعدى لاثنين : إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً « 1 » - فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً « 2 » ، ومفعوله الأول محذوف ، فقدّره الزمخشري : « لينذر الذين كفروا » . وغيره لينذر العباد ، أو لينذركم ، أو لينذر العالم ، وتقديره أحسن ، لأنه مقابل لقوله : « وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ » . وهم ضدهم ، حذف المنذر ، وأتى بالمنذر به ، وهنا حذف المنذر به ، وأتى بالمنذر في قوله : « وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا » ، فحذف الأول من الأول ، لدلالة ما في الثاني ، وحذف الثاني من الثاني ، لدلالة ما في الأول عليه ، وهو في غاية البلاغة ، ولما لم تتكرر البشارة ، ذكر مفعولها ، فقال : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً . قوله : مِنْ لَدُنْهُ قرأ أبو بكر عن عاصم بسكون الدال مشمة بالضم ، وكسر النون ، والهاء موصولة بياء ، فيقرأ « من لدنهي » ، والباقون يضمون الدال ، ويسكنون ، ويضمون الهاء ، وهم على قواعدهم فيها ، فابن كثير يصلها بواو : منهو ، وعنهو وغيره لا يصلها بشيء ، ووجه أبي بكر أنه سكّن الدال تخفيفا ، كتسكين عين « عضد » والنون ساكنة فالتقى ساكنان ، فكسر النون لالتقاء الساكنين ، وكان حقه أن يكسر الأول على القاعدة المعروفة ، إلّا أنه يلزم منه العود إلى ما فرّ منه ، وسيأتي لتحقيق هذا بيان في قوله : « وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ » في سورة النور ، فهناك نتكلم فيه ، ولما كسر النون كما ذكرته لك ، كسر الهاء اتباعا على قاعدته ، ووصلها بياء ، وأشمّ الدال إشارة إلى أصلها في الحركة . والإشمام - هنا - : عبارة عن ضم الشفتين من غير طريق نطق ، ولهذا يختص البصير به دون الأعمى . هكذا قرّره القرّاء ، وفيه نظر ، لأنّ الإشمام المشار إليه ، إنما يتحقق عند الوقف على آخر الكلمة ، فلا يليق إلا بأن يكون إشارة إلى حركة الحرف الآخر المرفوع ، إذا وقف عليه ، نحو : « جاء الرّجل » ، وهكذا ذكره النحويون ، وأما كونه يؤتى به في وسط الكلمة فلا يتصور ، إلّا أن يقف المتكلم على ذلك الساكن ، مشيرا إلى ضمها إلا حتى يقف عليها ، ثم تأتي بباقي الكلمة ، فإن قلت : إنما أتى بالإشارة إلى الضمة بعد فراغي من الكلمة بأسرها ، قيل لك فأتت الدلالة على تغيير ذلك الحرف المشار إلى حركته ، ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه ليس في الكلمة ما يصلح أن يشار إلى حركته إلّا الدال . وقد تقدم في يوسف أن الإشمام في « تَأْمَنَّا » إذا فسّرنا بالإشارة إلى الضمة منهم من يفعله قبل كمال الإدغام ، ومنهم من يفعله بعده ، وهذا نظيره ، وتقدم أن الإشمام يقع بإزاء معان أربعة ، تقدم تحقيقها . و « مِنْ لَدُنْهُ » متعلق ب « لِيُنْذِرَ » ، ويجوز تعلقه بمحذوف نعتا ل « بَأْساً » ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في « شَدِيداً » ، وقرىء : « ويبشّر » بالرفع على الاستئناف . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 3 إلى 6 ] ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ( 3 ) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ( 4 ) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ( 5 ) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) قوله : ماكِثِينَ . حال إما من الضمير المجرور في « لَهُمْ » ، أو المرفوع المستتر في « فِيهِ » ، أو من « أَجْراً » لتخصصه بالصفة ، إلّا أنّ هذا لا يجيء إلّا على رأي الكوفيين ، فإنهم لا يشترطون بروز الضمير في الصفة الجارية ، على غير من هي له ، إذا أمن اللبس . ولو كان حالا منه عند البصريين لقال : ماكثين هم فيه ، ويجوز على رأي الكوفيين أن تكون صفة ثانية
--> ( 1 ) سورة النبأ آية ، ( 40 ) . ( 2 ) سورة فصلت آية ، ( 13 ) .