أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
43
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الرفع في الخبر ، وهذا عند غير الفارسي وأتباعه ، أعني : جواز زيادة الباء في خبر التميمية ، وهذه الجملة تحتمل الوجهين : أحدهما : أن تكون معطوفة على جواب القسم فيكون قد أجاب بجملتين إحداهما مثبتة مؤكدة بأن واللام ، والأخرى منفية مؤكدة بزيادة الباء . والثاني : أنها مستأنفة سيقت للإخبار ، بعجزهم عن التعجيز ومعجز من أعجز فهو متعد لواحد كقوله تعالى : وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً . « 1 » فالمفعول هنا محذوف أي : بمعجزين اللّه . وقال الزجاج : « أي ما أنتم ممن يعجز من يعذبكم » . ويجوز أن يكون استعمل استعمال اللازم ، لأنه قد كثر فيه حذف المفعول حتى قالت العرب : « أعجز فلان إذا ذهب في الأرض فلم يقدر عليه » . قوله : لَافْتَدَتْ بِهِ . افتدى : يجوز أن يكون متعديا وأن يكون قاصرا ، فإذا كان مطاوعا ل « فدى » كان قاصرا ، تقول : فديته فافتدى ، ويكون بمعنى : فدى فيتعدى لواحد ، والفعل هنا يحتمل الوجهين ، فإن جعلناه متعديا فمفعوله تقديره : لافتدت به نفسها ، وهو في المجاز كقوله : كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها . « 2 » وقوله : « وَأَسَرُّوا » قيل : أسرّ من الأضداد يستعمل بمعنى : أظهر ، كقول الفرزدق : 2619 - ولمّا رأى الحجّاج جرّد سيفه * أسرّ الحروريّ الّذي كان أضمرا « 3 » وقول آخر : 2620 - فأسررت النّدامة يوم نادى * بردّ جمال غاضرة المنادي « 4 » ويستعمل بمعنى « أخفى » وهو المشهور في اللغة كقوله تعالى : يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ، « 5 » وهو في الآية يحتمل الوجهين ، وقيل : إنه ماض على بابه قد وقع ، وقيل : بل هو بمعنى المستقبل ، وقد أبعد بعضهم ، فقال : أسروا الندامة ، أي : بدت بالندامة أسره وجوههم ، أي : تكاسير جباههم . و لَمَّا رَأَوُا يجوز أن يكون حرفا وجوابها محذوف لدلالة ما تقدم عليه ، أو هو : المتقدم عند من يرى تقديم جواب الشرط جائزا ، ويجوز أن يكون بمعنى : حين والناصب لها « أَسَرُّوا » . وقوله : ظَلَمَتْ في محل جر صفة ل « نَفْسٍ » ، أي : لكل نفس ظالمة . و « ما في الأرض » اسم « أَنَّ » و « لِكُلِّ » هو الخبر . قوله : وَقُضِيَ يجوز أن يكون مستأنفا ، وهو ، ويجوز أن يكون معطوفا على « رَأَوُا » فيكون داخلا في خبر « لَمَّا » ، والضمير في « بَيْنَهُمْ » يعود على « كل نفس » في المعنى . وقال الزمخشري : « بين الظالمين والمظلومين دلّ على ذلك ذكر الظلم » . وقال بعضهم « 6 » : « إنه يعود على الرؤساء والأتباع » . وقوله : بِالْقِسْطِ يجوز أن تكون الباء للمصاحبة ، وأن تكون للآلة . وقوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
--> ( 1 ) سورة الجن ، آية : ( 12 ) . ( 2 ) سورة النحل ، آية : ( 111 ) . ( 3 ) البيت لم أجده في ديوانه وهو من شواهد البحر ( 5 / 169 ) . ( 4 ) البيت لكثير يرثي صديقه حندق الكندي أنظر ديوانه ( 221 ) ، البحر ( 5 / 169 ) ، القرطبي ( 8 / 352 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية : ( 77 ) . ( 6 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 169 ) .