أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
44
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قدم الجار للاختصاص ، أي : إليه لا إلى غيره يرجعون ، ولأجل الفواصل . وقرأ العامة : « تُرْجَعُونَ » بالخطاب وقرأ الحسن وعيسى بن عمر « يرجعون » بياء الغيبة . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 57 إلى 58 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 57 ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) قوله : مِنْ رَبِّكُمْ . يجوز أن تكون « مِنْ » لابتداء الغاية فتتعلق حينئذ ب « جاءَتْكُمْ » وابتداء الغاية مجاز ، ويجوز أن تكون للتبعيض فتتعلق بمحذوف على أنها صفة ل « مَوْعِظَةٌ » أي : موعظة كائنة من مواعظ ربكم . وقوله : مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ . . وَهُدىً وَرَحْمَةٌ من باب ما عطف فيه الصفات بعضها على بعض أي : قد جاءتكم موعظة جامعة لهذه الأشياء كلها ، « وَشِفاءٌ » في الأصل : مصدر جعل وصفا مبالغة ، أو هو اسم لما يشفى به أي : يداوى فهو كالدواء لما يداوى به ، و « لِما فِي الصُّدُورِ » يجوز أن يكون صفة ل « شِفاءٌ » فيتعلق بمحذوف ، وأن تكون اللام زائدة في المفعول ، لأن العامل فرع إذا قلنا بأنه مصدر . وقوله : « لِلْمُؤْمِنِينَ » محتمل لهذين الوجهين ، وهو من التنازع ، لأن كلّا من الهدى والرحمة يطلبه . قوله : بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ . في تعلق هذا الجار أوجه : أحدها : أن « بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ » متعلق بمحذوف تقديره : بفضل اللّه وبرحمته فليفرحوا بذلك ، فليفرحوا والتكرير للتأكيد ، فحذفت الفعل الأول لدلالة الثاني عليه فهما جملتان ، ويدل على ذلك قول الزمخشري : « أصل الكلام : بفضل اللّه وبرحمته فليفرحوا ، فبذلك فليفرحوا والتكرير للتأكيد والتقرير ، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا ، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه ، والفاء داخلة لمعنى الشرط ، كأنه قيل : إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح ، فإنه لا مفرح به أحق منهما . الثاني : أن الجار الأول متعلق أيضا بمحذوف دل عليه السياق ، والمعنى لا نفس الفعل الملفوظ به والتقدير : بفضل اللّه وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا قاله الزمخشري . الثالث : أن يتعلق الجار الأول ب « جاءَتْكُمْ » قال الزمخشري : « ويجوز أن يراد : قد جاءتكم موعظة بفضل اللّه وبرحمته ، فبذلك : فبمجيئها فليفرحوا . قال الشيخ « 1 » : « أما على إضمار فليعتنوا فلا دليل عليه » . قلت : الدلالة عليه من السياق واضحة ، وليس شرط الدلالة أن تكون لفظية . قال الشيخ « 2 » : وأما تعلقه بقوله : « قد جاءتكم فينبغي أن يقدر محذوفا بعد « قُلْ » ولا يكون متعلقا ب « جاءَتْكُمْ » الأولى ، للفصل بينهما ب « قُلْ » قلت : هذا إيراد واضح ، ويجوز أن يكون « بِفَضْلِ اللَّهِ » صفة
--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 171 ) . ( 2 ) أنظر المصدر السابق .