أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
402
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 59 إلى 61 ] وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ( 59 ) وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً ( 60 ) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( 61 ) قوله : وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ . إن : نافية ، و « مِنْ » مزيدة في المبتدأ لاستغراق الجنس . وقال ابن عطية : « هي لبيان الجنس » . وفيه نظر من وجهين : أحدهما : قال الشيخ « 1 » : « لأنّ التي للبيان لا بدّ أن يتقدمها مبهم « ما » يفسره ، كقوله : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ « 2 » . وهنا لم يتقدم شيء مبهم » . ثم قال : « ولعله قوله لبيان الجنس من الناسخ ، ويكون هو قد قال لاستغراق الجنس . ألا ترى أنه قال بعد ذلك : وقيل : المراد الخصوص » . وخبر المبتدأ الجملة المحصورة في قوله إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها . والثاني : أن شرط ذلك أن يسبقها محلى ب « أل » ، الجنسية ، وأن يقع موقعه الذي كقوله : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ « 3 » . قوله : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ . أن الأولى وما في حيزها في محل نصب أو جر على اختلاف القولين ، لأنها على حذف الجار ، أي : من أن نرسل . والثانية - وما في حيزها - : في محل رفع بالفاعلية ، أي : ما منعنا من إرسال الرسل بالآيات إلّا تكذيب الأولين ، أي : لو أرسلنا الآيات المقترحة لأهلكوا عند تكذيبهم ، كعادة من قبلهم ، لكن علم اللّه أنه يؤمن بعضهم ، ويكذب بعضهم من يؤمن ، فلذلك لم يرسل الآيات لهذه المصلحة . وقدّر أبو البقاء مضافا قبل الفاعل ، فقال : « تقديره : إلّا إهلاك » . ولا حاجة إلى ذلك ، لاستقلال المعنى بدونه . قوله : « مُبْصِرَةً » حال ، وزيد بن علي برفعها على إضمار مبتدأ ، أي : هي وهو إسناد مجازي ، إذ المراد إبصار أهلها ، ولكنها لما كانت سببا في الإبصار نسب إليها ، وقرأ قوم بفتح الصاد ، مفعول على الإسناد الحقيقي ، وقتادة بفتح الميم والصاد . أي : محل إبصار ، كقوله عليه السّلام : « الولد مبخلة مجبنة » ، وكقوله : 3108 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * والكفر مخبثة لنفس المنعم « 4 »
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 52 ) . ( 2 ) سورة فاطر آية ، ( 2 ) . ( 3 ) سورة الحج آية ، ( 30 ) . ( 4 ) عجز بيت لعنترة العبسي وصدره : نبئت عمرا غير شاكر نعمتي * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . انظر ديوانه ( 28 ) ، شرح القصائد العشر ( 368 ) ، الفراء ( 2 / 126 ) ، البحر ( 6 / 53 ) ، العمدة ( 1 / 283 ) ، التهذيب « سول » ( 1 / 316 ) ، اللسان « خبث » .