أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
4
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والتقدير في الآية : أكان إيحاؤنا إلى رجل منهم عجبا لهم . « ومنهم » صفة ل « رَجُلٍ » وقرأ رؤبة « رجل » بسكون الجيم ، وهي لغة تميم يسكنون « فعلا » نحو : سبع ، وعضد ، وقرأ عبد اللّه بن مسعود « عجب » وفيها تخريجان : أظهرهما : أنّها التامة ، أحدث للناس عجب ، و « أَنْ أَوْحَيْنا » متعلق ب « عجب » على حذف لام العلة ، أي : عجب لأن أوحينا ، أو يكون على حذف « من » أي : من أن أوحينا . والثاني : أن تكون الناقصة وتكون قد جعل اسمها النكرة وخبرها المعرفة على حد قوله : 2578 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * يكون مزاجها عسل وماء « 1 » وقال الزمخشري : « والأجود أن تكون التامة ، و « أَنْ أَوْحَيْنا » بدل من « عجب » يعني أنه بدل اشتمال ، أو كل من كل ، لأنه جعل هذا نفس العجب مبالغة . والتخريج الثاني لابن عطية قوله : « أَنْ أَنْذِرِ » ، يجوز أن تكون المصدرية ، وأن تكون التفسيرية ، ثم لك في المصدرية اعتباران : أحدهما : أن تجعلها المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الأمر والشأن محذوف كذا قال الشيخ « 2 » وفيه نظر من حيث إن أخبار هذه الأحرف لا تكون جملة طلبية ، حتى لو ورد ما يوهم ذلك يؤول على إضمار القول كقوله : 2579 - ولو أصابت لقالت وهي صادقة * إنّ الرّياضة لا تنصبك للشّيب « 3 » وقول الآخر : 2580 - إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم * لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما « 4 » وأيضا فإنّ الخبر في هذا الباب إذا وقع جملة فعلية فلا بد من الفصل بأشياء ذكرتها في المائدة « 5 » ، ولكن ذلك الفاصل هنا متعذر . والثاني : أنها التي بصدد أن تنصب الفعل المضارع ، وهي توصل بالفعل المتصرف مطلقا نحو : « كتبت إليه بأن قم » وقد تقدم لنا في ذلك بحث أيضا « 6 » . ولم يذكر المنذر به ، وقد ذكر المبشر به كما سيأتي ؛ لأن المقام يقتضي ذلك . قوله : « أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ » أنّ وما في حيزها هي المبشر بها أي : بشرهم باستقرار قدم صدق ، فحذفت الباء فجرى في محلها المذهبان ، والمراد به « قَدَمَ صِدْقٍ » السابقة والفضل والمنزلة الرفيعة ، وإليه ذهب الزجاج والزمخشري ، ومنه قول ذي الرمة : 2581 - لكم قدم لا ينكر النّاس أنها * مع الحسب العاديّ طمّت على البحر « 7 » لما كان السعي والسبق بالقدم سمى السعي المحمود قدما ، كما سميت اليد نعمة ، لما كانت صادرة عنها ، وأضيف إلى الصدق دلالة على فضله ، وهو من باب « رجل صدق » ، و « رجل سوء » . وقيل : هو سابقة الخير التي
--> ( 1 ) البيت في ديوان ( 63 ) ، الصمع ( 1 / 84 ) ، الشذور ( 146 ) ، الدرر ( 1 / 59 ) ، التهذيب واللسان « حكم » . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 129 ) . ( 4 ) البيت للجميع الأسدي أنظر الخزانة ( 10 / 246 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 332 ) ، شرح المفضليات ( 1 / 464 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) آية ، رقم ( 71 ) ، ( 7 ) أنظر آية ، رقم ( 66 ) من سورة النساء . ( 8 ) البيت في ديوانه ( 361 ) ، البحر المحيط 5 / 123 ) ، القرطبي ( 8 / 306 ) ، روح المعاني ( 11 / 63 ) .