أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

391

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

حكمه فلا يتقدم على رافعه كأصله ، وليس لقائل أن يقول : يجوز على رأي الكوفيين ، فإنهم يجيزون تقديم الفاعل ، لأنّ النحاس حكى الإجماع على عدم جواز تقديم القائم مقام الفاعل إذا كان جارا أو مجرورا ، فليس هو نظير قوله : « غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ » فحينئذ يكون القائم مقام الفاعل الضمير المستكن العائد على « كُلُّ » أو على « القافي » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 37 إلى 41 ] وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً ( 37 ) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( 38 ) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ( 39 ) أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ( 40 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ( 41 ) قوله : . . . مَرَحاً . . . العامة على فتح الراء ، وفيه أوجه : أحدها : أنه مصدر واقع موقع الحال ، أي : مرحا بكسر الراء ، ويدل عليه قراءة بعضهم ، فيما حكاه يعقوب « مرحا » بالكسر . الثاني : أنه حذف مضاف ، أي : ذا مرح . الثالث : أنه مفعول من أجله والمرح شدّة السّرور والفرح ، مرح ، يمرح ، مرحا ، ك « يفرح ، فرحا ، فهو فرح . قوله : « طُولًا » يجوز أن يكون حالا من فاعل « تَبْلُغَ » أو من مفعوله ، أو مصدرا من معنى « تَبْلُغَ » ، أو تمييزا ، أو مفعولا له . وهذان ضعيفان جدا ، لعدم المعنى . وقرأ أبو الجراح : « لن تخرق » بضم الراء ، وأنكرها أبو حاتم ، وقال : لا نعرفها لغة البتة . قوله : . . . كانَ سَيِّئُهُ . . . . قرأ ابن عامر والكوفيون بضم الهمزة ، والهاء ، والتذكير ، وترك التنوين ، والباقون بفتح الهمزة ، وتاء التأنيث منصوبة منونة ، فالقراءة الأولى أشير فيها بذلك إلى جميع ما تقدم ، وفيه السّيّىء والحسن ، فأضاف السيّىء إلى ضمير ما تقدم ، ويؤيدها ما قرأ به عبد اللّه « كلّ ذلك كان سيّئاته » بالجمع مضافا للضمير ، وقراءة أبي : « خبيثه » والمعنى : كلّ ما تقدم ذكره مما أمرتم به ونهيتم كان سيئه ، وهو ما نهيتم عنه خاصة أمرا مكروها . هذا أحسن ما يقدر في هذا المكان ، وأما ما استشكله بعضهم من أنه يصير المعنى : كل ما ذكر كان سيئه ، ومن جملة كل ما ذكر المأمور به ، فيلزم أن يكون فيه سيىء . فهو إشكال واه ، لما ذكرت من تقدير معناه . و مَكْرُوهاً خبر كان ، وحمل الكلام كله على لفظ « كُلُّ » ، فلذلك ذكّر الضمير في « سَيِّئُهُ » ، والخبر وهو مكروه . وأما قراءة الباقين فيحتمل أن الإشارة فيها بذلك إلى مصدري النهيين المتقدمين قريبا ، وهما : قفوا ما ليس به علم ، والمشي في الأرض مرحا . والثاني : أنه أشير به إلى جميع ما تقدم من المناهي . و « سَيِّئُهُ » خبر كان ، وأنث حملا على معنى كل ، ثم قال « مَكْرُوهاً » حملا على لفظها . وقال الزمخشري - كلاما حسنا وهو - : « أنّ السيئة في حكم الأسماء ، بمنزلة الذنب ، والاسم زال عنه حكم