أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
390
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ زيد بن علي « ولا تقفوا » بإثبات الواو . وقد تقدم أن إثبات حرف العلة جزما لغة قوم وضرورة عند غيرهم ، كقوله : 3095 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع « 1 » وقرأ معاذ القارئ « ولا تقف » ، بزنة ثقل ، من قاف يقوف ، أي : تتبّع أيضا ، وفيه قولان : أحدهما : أنه مقلوب من قفا يقفو . والثاني - وهو الأظهر - أنه لغة مستقلة ك « جبذ ، وجذب » لكثرة الاستعمالين ، ومثله : قاع الفحل النّاقة وقعاها . قوله : « وَالْفُؤادَ » قرأ الجراح العقيلي بفتح الفاء وواو خالصة ، وتوجيهها أنه أبدل الهمزة واوا بعد الضمة في القراءة المشهورة ، ثم فتح فاء الكلمة ، بعد البدل ، لأنها لغة في « الْفُؤادَ » ، يقال : فواد ، وفاد . وأنكرها أبو حاتم القراءة ، وهو معذور . والباء في « بِهِ » متعلقة بما تعلق به « لَكَ » ولا يتعلق ب « عِلْمٌ » ، لأنه مصدر ، إلّا عند من يتوسع في الجار . قوله : أُولئِكَ إشارة إلى ما تقدم من « السَّمْعَ ، وَالْبَصَرَ ، وَالْفُؤادَ » ، كقوله : 3096 - ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى * والعيش بعد أولئك الأيّام « 2 » ف « أُولئِكَ » يشار به إلى العقلاء وغيرهم من الجموع ، واعتذر ابن عطية عن الإشارة به لغير العقلاء ، وقال : « عبّر عن السَّمْعَ ، وَالْبَصَرَ ، وَالْفُؤادَ » ، ب « أُولئِكَ » ، لأنها حواس ، لها إدراك ، وجعلها في هذه الآية مسؤولة ، فهي حالة من يعقل ولذلك عبّر عنها بكناية من يعقل ، وقد قال سيبويه « 3 » : في قوله : رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ « 4 » إنّما قال : رأيتهم في النجوم ، لأنه لما وصفها بالسجود ، وهو فعل من يعقل ، عبّر عنها بكناية من يعقل ، وحكى الزجاج : أنّ العرب تعبّر عن من يعقل وعن من لا يعقل ب « أُولئِكَ » ، وأنشد هو والطبري قول الشاعر : 3097 - ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى * والعيش بعد أولئك الأيّام « 5 » وأما حكاية أبي إسحق عن اللغة ، فأمر يتوقف عنده ، وأما البيت فالرواية فيه : الأقوام ، ولا حاجة إلى هذا الاعتذار ، لما عرفت ، وأما قوله : إنّ الرواية : الأقوام . فغير معروفة ، والمعروف إنما هو : الأيّام . قوله : « كُلُّ أُولئِكَ » مبتدأ ، والجملة من « كانَ » خبره ، وفي اسم كان وجهان ، أحدهما : أنه ضمير عائد على « كُلُّ » باعتبار لفظها ، وكذا الضمير في « عَنْهُ » . و « عَنْهُ » متعلق ب « مَسْؤُلًا » ، و « مَسْؤُلًا » خبرها . والثاني : أن اسمها ضمير يعود على القافي ، وفي « عَنْهُ » يعود على « كُلُّ » وهو من الالتفات ، إذ لو جرى على ما تقدم ، لقيل : كنت عنه مسؤولا . وقال الزمخشري : « و « عَنْهُ » في موضع الرفع بالفاعلية ، أي : كل واحد كان مسؤولا عنه ، ف « مسؤول » مسند إلى الجار والمجرور ، كالمغضوب في قوله غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ انتهى . وفي تسميته مفعول ما لم يسم فاعله فاعلا خلاف الاصطلاح ، وقد ردّ « 6 » الشيخ عليه قوله : « بأن القائم مقام الفاعل حكمه
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت لجرير من قصيدة يهجو فيها الفرزدق انظر ديوانه ( ) ، وروايته فيه « الأقوام » بدل الأيام وانظر المقتضب ( 1 / 185 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 126 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 66 ) ، الأشموني ( 1 / 139 ) ، التصريح ( 1 / 128 ) ، وانظر بقية التخريج في البحر . ( 3 ) انظر الكتاب ( 2 / 47 ) . ( 4 ) سورة يوسف آية ، ( 7 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 37 ) .