أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
382
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ل « المؤمنين » من الناس إلى يوم القيامة » . وقيل : هي بمعنى « أم » ، وقيل : بمعنى أوصى ، وقيل بمعنى : حكم ، وقيل : بمعنى أوجب ، وقرأ بعض ولد معاذ بن جبل « قضاء » اسما مصدرا مرفوعا بالابتداء ، و « أَلَّا تَعْبُدُوا » . وقوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، قد تقدم نظيره في البقرة « 1 » . وقال الحوفي : « الباء متعلقة ب « قَضى » ويجوز أن تكون متعلقة بفعل محذوف ، تقديره : وأوصى بالوالدين إحسانا ، وإحسانا مصدر ، أي : تحسنون بالوالدين إحسانا » . وقال الواحدي : الباء من صلة الإحسان ، فقدمت عليه ، كما تقول : بزيد فامرر . وقد منع الزمخشري هذا الوجه ، قال : « لأنّ المصدر لا يتقدم عليه معموله » . قلت : والذي ينبغي أن يقال : أنّ هذا المصدر إن عني به أنه ينحل لحرف مصدري ، وفعل ، فالأمر على ما ذكر الزمخشري ، وإن كان بدلا من اللفظ بالفعل ، فالأمر على ما قال الواحدي ، فالجواز والمنع بهذين الاعتبارين . وقال ابن عطية : « قوله : « وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » عطف على « أنّ » الأولى ، أي : أمر اللّه ألّا تعبدوا إلّا إيّاه ، وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا » . واختار الشيخ « 2 » أن يكون « إِحْساناً » مصدرا واقعا موقع الفعل ، وأن « أن » مفسرة ، و « لا » ناهية » . قال : « فيكون قد عطف ما هو بمعنى الأمر على نهى كقوله : 3073 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * يقولون لا تهلك أسى وتجمّل « 3 » قلت : وأحسن وأساء يتعديان ب « إلى » ، وب « الباء » ، قال تعالى : « وقد أحسن بي » ، وقال كثيّر عزة : 3074 - أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 4 » وكأنه ضمن « أحسن » معنى لطف فتعدى تعديته » وقوله : إِمَّا يَبْلُغَنَّ قرأ الأخوان : « يبلغانّ » بألف تثنية قبل نون التوكيد المشددة المكسورة ، والباقون دون ألف وبفتح النون ، فأما القراءة الأولى ، ففيها أوجه : أحدها : أن الألف ضمير « الوالدين » لتقدم ذكرهما ، و « أَحَدُهُما » بدل منه ، « أَوْ كِلاهُما » عطف عليه ، وإليه نحا الزمخشري وغيره واستشكله بعضهم بأن قوله « أَحَدُهُما » بدل بعض من كل ، لا كل من كل ، لأنه غير واف بمعنى الأول ، وقوله بعد ذلك : « أَوْ كِلاهُما » عطف على البدل ، فيكون بدلا ، وهو بدل الكل من الكل ، لأنه مرادف لألف التثنية ، لكنه لا يجوز أن يكون بدلا لعروة عن الفائدة ، إذ المستفاد من ألف التثنية هو المستفاد من « كِلاهُما » ، فلم يفد البدل زيادة على البدل منه ، قلت : هذا معنى قول الشيخ « 5 » : وفيه نظر ، إذ لقائل أن يقول مسلم أنه لم يفد البدل زيادة على المبدل منه ، لكنه لا يضره لأنه شاذ للتأكيد ، ولو أفاد زيادة أخرى غير مفهومة من الأول كان تأسيسا لا تأكيدا وعلى تقدير تسليم ذلك فقد يجاب عنه بما قاله ابن عطية ، فإنه قال - بعد ذكره هذا الوجه - : « وهو بدل مقسّم ، كقول الشاعر : 3075 - وكنت كذي رجلين : رجل صحيحة * ورجل رمى فيها الزّمان فشلّت « 6 » إلّا أنّ الشيخ يعقب كلامه فقال : « أما قوله بدل مقسم كقوله :
--> ( 1 ) انظر سورة البقرة آية ، رقم ( 83 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 25 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 26 ) . ( 6 ) انظر المصدر السابق .