أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

365

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

محارب فيما نقله ابن عطية كذلك ، إلّا أنه نصب الباء ، وفيه ثلاثة أوجه ، ذكرها الزمخشري : أحدها : أن تكون منصوبة على الشتم ، يعني وهي في الأصل نعت للألسنة كما في القراءة قبلها . الثاني : أن تكون بمعنى الكلم الكواذب ، يعني : أنها مفعول بها ، والعامل فيها ، إما « تَصِفُ » ، وإما القول ، على ما مرّ ، أي : لا تقولوا الكلم الكواذب ، أو لما تصف ألسنتكم الكلم الكواذب . الثالث : أن يكون جمع الكذاب من قولك : كذب كذابا ، يعني فيكون منصوبا على المصدر ، لأنه من معنى وصف الألسنة ، فيكون نحو : كتب في جمع كتاب . وقد قرأ الكسائي : « ولا كذابا » « 1 » بالتخفيف كما سيأتي في سورة النبأ . قوله : « لِتَفْتَرُوا » في اللام ثلاثة أوجه : أحدها : قال الواحدي : أنه بدل من « لِما تَصِفُ » لأنّ وصفهم الكذب هو افتراء على اللّه . قال الشيخ « 2 » : وهو على تقدير جعل « ما » مصدرية ، أما إذا كانت بمعنى الذي ، فاللام فيها ليست للتعليل ، فيبدل منها ما يفهم التعليل ، وإنما اللام في « لِما » متعلقة ب « لا تَقُولُوا » على حدّ تعلقها في قولك : لا تقولوا لما أحل اللّه هذا حرام ، أي : لا تسموا الحلال حراما ، وكما تقول : « لا تقل لزيد عمرو » ، أي : لا تطلق عليه هذا الاسم » . قلت : وهذا وإن كان ظاهرا إلا أنه لا يمنع من إرادة التعليل . وإن كانت بمعنى الذي . الثاني : أنها للصيرورة ، إذ لم يفعلوه لذلك الغرض . الثالث : أنها للتعليل الصريح ولا يبعد أن يصدر عنهم مثل ذلك . قوله : مَتاعٌ . . . . فيه وجهان : أحدهما : أنه مبتدأ ، و « قَلِيلٌ » خبره . وفيه نظر ، للابتداء بنكرة من غير مسوغ ، فإن ادعى إضافة ، نحو : متاعهم قليل ، فهو بعيد جدا . الثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر ، أي : بقاؤهم أو عيشهم ، أو منفعتهم فيما هم عليه . قوله : . . . مِنْ قَبْلُ . . . . متعلق ب « حَرَّمْنا » ، أو ب « قَصَصْنا » ، والمضاف إليه قبل تقديره : ومن قبل تحريمنا على أهل ملتك . قوله : . . . مِنْ بَعْدِها . . . . أي : من بعد عمل السوء ، والتوبة والاصلاح ، وقيل : على الجهالة ، وقيل : على السوء ، لأنه في معنى المعصية . و « بِجَهالَةٍ » حال من فاعل « عَمِلُوا » . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 120 إلى 122 ] إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 121 ) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 122 )

--> ( 1 ) سورة النبأ آية ، ( 35 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 545 ) .