أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

346

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

معنى القول ، إذ هو إلهام لا قول فيه . وفيه نظر ، لأن القول لكل شيء بحسبه . والنحل تذكر وتؤنث على قاعدة أسماء الأجناس ، والتأنيث فيه لغة الحجاز وعليها جاء « أَنِ اتَّخِذِي » . وقرأ ابن وثاب : « النحل » بفتح الحاء فيحتمل أن تكون لغة مستقلة ، وأن تكون اتباعا . و « مِنَ الْجِبالِ » من : فيه للتبعيض ، إذ لا يتهيأ لها ذلك في كل جبل ولا شجر . وتقدم القول في « يَعْرِشُونَ » ومن قرأ بالكسر والفتح في الأعراف . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 69 إلى 72 ] ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 71 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) قوله : ذُلُلًا . جمع ذلول ، ويجوز أن يكون حالا من « السّبل » أي : ذللها لها اللّه تعالى ، كقوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا « 1 » ، وأن يكون حالا من فاعل « اسلكي » ، أي : مطيعة منقادة . وفي التفسير المعيشان المنقولان وانتصاب « سُبُلَ » يجوز أن يكون في الظرفية ، أي : فاسلكي ما أكلت في سبل ربك ، أي : في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النّور ونحوه ، عسلا ، وأن يكون مفعولا به ، أي : اسلكي الطرق التي أفهمك وعلمك في عمل العسل . و « مِنْ » في « مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ » يجوز أن تكون تبعيضية ، وأن تكون للابتداء على معنى أنها تأكل شيئا ينزل من السماء شبه الترنجبين على ورق الشجر وثمارها ، لا أنها تأكل نفس الثمرات . وهو بعيد جدا . قوله : « يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها » وإخبار بذلك ، ولو جاء على الكلام الأول لقيل : من بطونك . والهاء في « فِيهِ » تعود على « شَرابٌ » ، وهو الظاهر ، وقيل : تعود على القرآن . قوله : لِكَيْ لا . في هذا الكلام وجهان : أحدهما : أنها لام التعليل ، و « كي » بعدها مصدرية ليس إلّا ، وهي ناصبة بنفسها للفعل بعدها ، ومنصوبها في تأويل مصدر مجرور باللام متعلقة ب « يُرَدُّ » . وقال الحوفي : « إنها لام كي ، وكي للتأكيد » . وفيه نظر ، لأنّ اللام للتعليل ، وكي مصدرية لا إشعار لها بالتعليل والحالة هذه . وأيضا فعملهما مختلف . والثاني : أنها لام الصيرورة . قوله : « شَيْئاً » يجوز فيه التنازع ، وذلك أنه تقدمه عاملان « يَعْلَمَ ، و عِلْمٍ » . فعلى رأي البصريين - وهو المختار - يكون منصوبا ب « عِلْمٍ » ، وعلى رأي الكوفيين يكون منصوبا ب « يَعْلَمَ » وهو مردود ، إذ لو كان كذلك لأضمر في الثاني ، فكان يقال : لكي لا يعلم بعد علم إياه شيئا .

--> ( 1 ) سورة الملك آية ، ( 15 ) .