أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

344

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 68 ] وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) قوله : وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ . فيه أربعة أوجه . أحدها : أنه متعلق بمحذوف فقدّره الزمخشري : نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ، أي : من عصيرها ، وحذف لدلالة « نُسْقِيكُمْ » قبله عليه ، قال : « تَتَّخِذُونَ » بيان وكشف عن كيفية الإسقاء . وقدّره أبو البقاء : وخلق لكم ، أو جعل لكم » . وما قدّره الزمخشري أليق : لا يقال : لا حاجة إلى تقدير « لنسقيكم » ، بل إلى قوله « وَمِنْ ثَمَراتِ » عطف على قوله : « مِمَّا فِي بُطُونِهِ » فكيف عطف بعض متعلقات الفعل الأول على بعض ، كما تقول : « سقيت زيدا من اللّبن ومن العسل » فلا تحتاج إلى تقدير فعل قبل قولك : من العسل لا يقال ذلك ، لأن « نُسْقِيكُمْ » الملفوظ به وقع تفسيرا لعبرة الأنعام ، فلا يليق هذا به ، لأنه ليس من العبرة المتعلقة بالأنعام . الشيخ « 1 » : وقيل : متعلق ب « نُسْقِيكُمْ » فيكون معطوفا على « مِمَّا فِي بُطُونِهِ » ، أو ب « نُسْقِيكُمْ » محذوفة دلّ عليها « نُسْقِيكُمْ » انتهى » . ولم يعقبه بنكير . وفيه ما قدمته آنفا . الثاني : أنه متعلق ب « تَتَّخِذُونَ » و « مِنْهُ » تكرير للظرف توكيدا ، نحو : « زيد في الدار فيها » قاله الزمخشري . وعلى هذا فالهاء في « مِنْهُ » فيها ستة أوجه : أحدها : أنها تعود على المضاف المحذوف الذي هو العصير ، كما رجع في قوله : أَوْ هُمْ قائِلُونَ إلى الأهل المحذوف . الثاني : أنها تعود على معنى « الثّمرات » ، لأنها بمعنى الثّمر . الثالث : أنها تعود على « النَّخِيلِ » . الرابع : أنها تعود على الجنس . الخامس : أنها تعود على البعض . السادس : أنها تعود على المذكور . الثالث من - الأوجه الأول - : أنه معطوف على قوله « فِي الْأَنْعامِ » . فيكون في المعنى خبرا عن اسم « إِنَّ » في قوله : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً التقدير : وإنّ لكم في الأنعام ومن ثمرات النخيل لعبرة ، ويكون في قوله « تَتَّخِذُونَ » بيانا وتفسيرا للعبرة ، كما أوقع « نُسْقِيكُمْ » تفسيرا لها أيضا . الرابع : أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف ، فقدّره الطبري : ومن ثمرات النخيل ما تتخذون . قال الشيخ « 2 » : « وهو لا يجوز على مذهب البصريين » قلت : وفيه نظر ، لأنّ له أن يقول : ليست « ما » هذه موصولة ، بل نكرة موصوفة ، وجاز حذف الموصوف والصفة جملة ، لأنّ في الكلام « من » ، ومتى كان في الكلام « من » اطرد الحذف

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 510 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق .