أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

340

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

فجعل فرط قاصرا ، وأفرط منقول . وقال الزمخشري : « بمعنى مقدّمون إلى النار ، معجّلون إليها ، من أفرطت فلانا ، وفرّطته . إذا قدّمته إلى الماء » . فجعل فعل وأفعل بمعنى ، لأن أفعل منقول من فعل ، والقولان محتملان ومنه : الفرط ، أي : المتقدم . قال - عليه السّلام - : « أنا فرطكم على الحوض » . أي : سابقتكم ومنه : « واجعله فرطا وذخرا » ، أي : متقدما بالشفاعة ، وتثقيل الموازين . وقرأ أبو جعفر في رواية : « مفرّطون » بتشديد الراء ، مكسورة من فرّط في كذا ، أي : قصّر ، وفي رواية مفتوحة من فرّطته معدى بالتضعيف من فرط بالتخفيف ، أي : تقدّم وسبق . وقرأ عيسى بن عمر والحسن : « لا جرم إنّ لهم النّار وإنّهم » بكسر « إنّ » فيهما على أنهما جواب قسم أغنت عنه « لا جَرَمَ » . قوله : فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ . يجوز أن تكون هذه الجملة حكاية حال ماضية ، أي : فهو ناصرهم ، أو آتية . ويراد باليوم : يوم القيامة . هذا إذا عاد الضمير على « أُمَمٍ » وهو الظاهر وجوز الزمخشري أن يعود على قريش ، فتكون حكاية حال في الحال ، لا ماضية ولا آتية ، وجوّز أن يكون عائدا على « أُمَمٍ » ولكن على حذف مضاف تقديره : فهو ولي أمثالهم اليوم . واستبعده الشيخ ، وكان الذي حمله على ذلك قوله : « الْيَوْمَ » ، فإنه ظرف حالي . وقد تقدم أنه حكاية الحال الماضية أو الآتية . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 64 إلى 66 ] وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 64 ) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 65 ) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ( 66 ) قوله : وَهُدىً وَرَحْمَةً . فيه وجهان : أحدهما : أنهما انتصبا على أنهما مفعولان من أجلهما ، والناصب « أَنْزَلْنا » ، ولما اتحد الفاعل في العلة والمعلول وصل الفعل إليهما بنفسه ، ولما لم يتحد في قوله : « وَما أَنْزَلْنا . . . إلّا لنبيّن » لأن فاعل الإنزال اللّه ، وفاعل التبيين الرسول . وصل الفعل إلى العلة بالحرف ، فقيل : « إِلَّا لِتُبَيِّنَ » أي : لأن تبين على أنّ هذه اللام لا تلزم من جهة أخرى ، وهي كون مجرورها « أن » . وفيه خلاف في خصوصية هذه المسألة ، وهذا معنى قول الزمخشري ، فإنه قال : « معطوفا على محل « لِتُبَيِّنَ » إلّا أنهما انتصبا على أنهما مفعول بهما ، لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب . ودخلت اللام على « لِتُبَيِّنَ » : لأنه فعل المخاطب ، لا فعل المنزل ، وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فعل الفاعل المعلل » . قال الشيخ « 1 » « قوله : معطوفان على محل « لِتُبَيِّنَ » ليس بصحيح ، لأن محله ليس نصبا ، فيعطف منصوبا ألا ترى أنّه لو نصبه لم يجز لاختلاف الفاعل » . قلت : الزمخشري لم يجعل النصب لأجل العطف على المحل ، إنما جعله بوصول الفعل إليهما ، لاتحاد الفاعل كما صرّح به فيما حكيته عنه آنفا ، وإنما جعل العطف لأجل التشريك في

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 507 ) .