أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
341
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
العلّة لا غير ، يعني أنهما علتان ، كما أن « لِتُبَيِّنَ » علّة . ولئن سلّمنا أنه نصب عطفا على المحل ، فلا يضر ذلك . قوله : لأنّ محله ليس نصبا ممنوع . وهذا ما لا خلاف فيه ، من أن محل الجار والمجرور النصب ، لأنه فضلة إلّا أن يقوم مقام مرفوع ، ألا ترى إلى تخريجهم قوله : وَأَرْجُلَكُمْ « 1 » في قراءة النصب على العطف على محل « بِرُؤُسِكُمْ » ويجيزون « مررت بزيد وعمرا » ، على خلاف في ذلك بالنسبة إلى القياس وعدمه ، لا في أصل المسألة ، وهذا بحث حسن المردود عليه . قوله : نُسْقِيكُمْ . يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة ل « العبرة » كأنه قيل : كيف العبرة ؟ فقيل : « نسقيكم من بين فرث ودم لبنا خالصا » ويجوز أن تكون خبرا لمبتدأ مضمر والجملة جواب لذلك السؤال ، أي : هي ، أي : العبرة نسقيكم ويكون كقولهم : « تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه » . وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر : « نسقيكم » بفتح النون هنا ، وفي المؤمنين ، والباقون بضمها فيهما ، واختلف الناس هل سقى وأسقى لغتان بمعنى واحد ، أم بينهما فرق ؟ خلاف مشهور . قيل : هما بمعنى ، وأنشد جمعا بين اللغتين : 3018 - سقى قومي بني مجد وأسقى * نميرا والقبائل من هلال « 2 » دعاء للجميع بالسّقي والخصب ، و « نميرا » هو المفعول الثاني ، أي : ما نميرا . وقال أبو عبيدة : من سقى الشّفة سقى فقط ، ومن سقى الشّجر والأرض أسقى ، وللداعي لأرض بالسّقيا وغيرها أسقى فقط » . وقال الأزهري : « العرب تقول لكلّ ما كان من بطون الأنعام ، ومن السّماء أو نهر يجري أسقيته ، أي : جعلته شربا له ، وجعلت له منه مسقى ، فإذا كان للشفة قالوا سقى ، ولم يقولوا أسقى . وقال الفارسي : سقيته حتى روي ، وأسقيته نهرا ، وجعلته له شرابا . وقيل : سقاه إذا ناوله الإناء ليشرب منه ، ولا يقال : من هذا أسقاه . وقرأ أبو رجاء : « يسقيكم » بضم الياء من أسفل ، وفي فاعله وجهان : أحدهما : هو اللّه تعالى . والثاني : أنه ضمير النّعم المدلول عليه بالأنعام ، أي : نعما تجعل لكم سقيا . وترى : « يسقيكم » بفتح الياء من أسفل قال ابن عطية : « وهي ضعيفة » . قال الشيخ : « وضعفها عنده - واللّه أعلم - أنه أنث في « نُسْقِيكُمْ » ، وذكّر في قوله : « مِمَّا فِي بُطُونِهِ » ولا ضعف من هذه الجملة ، لأن التذكير والتأنيث باعتبارين ، « قلت : وضعفها عنده ، من حيث المعنى ، وهو المقصود الامتنان على الخلق ، فنسبة السقي إلى اللّه تعالى هو الملائم ، لا نسبته إلى الأنعام . قوله : مِمَّا فِي بُطُونِهِ يجوز أن تكون « من » للتبعيض ، وأن تكون لابتداء الغاية . وعاد الضمير هنا على الأنعام مفردا مذكّرا . قال الزمخشري : « ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال ، كقولهم : « ثوب أكياش » ولذلك رجع الضمير إليه مفردا . وأما فِي بُطُونِها في سورة المؤمنين « 3 » : فلأن معناه الجمع . ويجوز أن يقال في الأنعام وجهان :
--> ( 1 ) سورة المائدة آية ، ( 6 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) آية ، رقم ( 21 ) .