أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

334

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« فإن قلت : إنما جمعوا بين العدد والمعدود ، فيما وراء الواحد والاثنين ، فقالوا : عندي رجال ثلاثة ، وأفراس أربعة ، لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص . فأما رجل ورجلان ، وفرس وفرسان ، فمعدودان فيهما دلالة على العدد ، فلا حاجة إلى أن يقال : رجل واحد ، ورجلان اثنان ، فما وجه قوله تعالى : « إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ » ؟ قلت : الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين : على الجنسية ، والعدد المخصوص ، فإذا أريدت الدلالة على أن المعنى به منهما ، والذي يساق إليه الحديث هو العدد لشفع بما يؤكده العدد ، فدل به على القصد إليه ، والعناية به ، ألا ترى أنك لو قلت : إله ، ولم تؤكده بواحد ، لم يحسن ، وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية » . وقال الشيخ : « لما كان الاسم الموضوع للإفراد والتثنية ، قد يتجوز به ، فيراد به الجنس ، نحو « نعم الرّجل زيد ، ونعم الرّجلان الزيدان » ، وقول الشاعر : 3005 - فإنّ النّار بالعودين تذكى * وإنّ الحرب أوّلها الكلام « 1 » أكد الموضوع لهما بالوصف ، فقيل : إلهين اثنين ، وقيل : إله واحد . قوله : « فَإِيَّايَ » منصوب مقدر بعده يفسره هذا الظاهر ، أي : إيّاي ارهبوا فارهبون ، وقدّره ابن عطية : ارهبوا إياي فارهبون . قال الشيخ « 2 » : « وهو ذهول عن القاعدة النحوية ، وهي أن المفعول إذا كان ضميرا متصلا ، والفعل متعد لواحد ، وجب تأخير الفعل ، نحو : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » ، ولا يجوز أن يتقدم إلّا في الضرورة كقوله : 3006 - إليك حتّى بلغت إيّاكا « 3 » وهذا قد مر تقريره أول البقرة . وقد يجاب عن ابن عطية بأنه لا يقبح في الأمور التقديرية ما يقبح في اللفظية . وفي قوله : « فَإِيَّايَ » التفات من غيبة ، وهي قوله : « وقال اللّه إلى تكلّم » وهو قوله : « فَإِيَّايَ » ، ثم التفت إلى الغيبة أيضا في قوله : « وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ » . قوله : « واصِباً » حال من « الدِّينُ » العامل فيها الاستقرار المتضمن الجار الواقع خبرا . والواصب : الدائم ، قال حسان : 3007 - غيّرته الرّيح تسفي به * وهزيم رعده واصب « 4 » وقال أبو الأسود : 3008 - لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه * يوما بذم الدّهر أجمع واصبا « 5 » والوصيب : العليل لمداومة السّقم له ، وقيل : من الوصب ، وهو التّعب ، ويكون حينئذ - على النسب ، أي : ذا وصب لأن الدّين فيه تكاليف ومشاق على العباد ، فهو كقوله :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 501 ) ، روح المعاني ( 14 / 162 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 501 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) البيت في ديوانه ، الطبري ( 14 / 118 ) ، البحر المحيط ( 5 / 500 ) . ( 5 ) انظر تفسير الطبري ( 14 / 74 ) ، مجاز القرآن ( 3611 ) ، البحر المصدر السابق روح المعاني ( 14 / 164 ) .