أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
331
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : ما المراد باليمين والشمائل ؟ والثاني : كيف أفرد الأول وجمع الثاني ؟ وأجيب عن الأول بأجوبة : أحدها : أن اليمين يمين الفلك ، وهو المشرق ، والشمال شماله ، وهو المغرب ، وخص هذان الجانبان ، لأن أقوى الإنسان جانبا ، وهما يمينه وشماله ، وجعل المشرق يمينا ، لأن منه تظهر حركة الفلك اليومية . الثاني : البلدة التي عرضها أقل من الميل تكون الشمس صيفا عن يمين البلد ، فيقع الظل يمينهم . الثالث : أن المنصوب المعتبر كل جرم له ظل ، كالجبل والشجر ، والذي يترتب منه الأيمان والشمائل إنما هو البشر فقط ، لكن الأيمان والشمائل هنا على سبيل الاستعارة . الرابع : قال الزمخشري : أو لم يروا إلى ما خلق اللّه من الأجرام التي لها ظلال متفيئة ، عن أيمانها وشمائلها ، أي : عن جانبي كل واحد منها . وشقيه استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء ، أي : ترجع من جانب إلى جانب . وهذا قريب مما قبله . وأجيب عن الثاني بأجوبة : أحدها : أن الابتداء يقع من اليمين ، وهو شيء واحد ، فلذلك وحّد اليمين ، ثم ينتقص شيئا فشيئا حالا بعد حال ، فهو بمعنى الجمع ، فصدق على حال لفظة الشمال ، فتعدد بتعدد الحالات ، وإلى قريب منه نحا أبو البقاء . والثاني : قال الزمخشري : « و « الْيَمِينِ » بمعنى : الأيمان » يعني : أنه مفرد قائم مقام الجمع ، وحينئذ فهما في المعنى جمعا ، كقوله : وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ أي : الأدبار . الثالث : قال الفراء : كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال ، وإذا جمع ذهب إلى كلها . لأن قوله : « ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ » لفظه واحد ، ومعناه الجمع ، فعبّر عن أحدهما بلفظ الواحد ، كقوله : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ « 1 » . وقوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ « 2 » . الرابع : إنّا إذا فسرنا اليمين بالمشرق ، كانت النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها ، فكانت اليمين واحدة ، وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الظلال بعد وقوعها على الأرض ، وهي كثيرة ، فلذلك عبر عنها بصيغة الجمع . الخامس : قال الكرماني : يحتمل أن يراد بالشمائل الشمال والخلف والقدام ، لأن الظل يفيء من الجهات كلها ، فبدىء باليمين ، لأن ابتداء التفيء منها ، أو متيمنا بذكرها ، ثم جمع الباقي على لفظ الشمال ، لما بين اليمين والشمال من التضاد ، ونزل القدام والخلف منزلة الشمال ، لما بينهما وبين اليمين من الخلاف . السادس : قال ابن عطية : « وما قال بعض الناس من أن اليمين أول وقعة للظل بعد الزوال ، ثم الآخر إلى الغروب هي عن الشمائل ، لذلك جمع الشمائل ، وأفرد اليمين ، فتخليط من القول ، ومبطل من جهات ، وقال ابن عباس : إذا صلّيت الفجر ، كان ما بين مطلع الشمس ومغربها ظلا ، ثم بعث اللّه عليه الشمس دليلا ، فقبض إليه الظل . فعلى هذا فأول دورة الشمس : فالظل عن يمين مستقبل الجنوب ، ثم يبدأ الانحراف ، فهو عن الشمائل ، لأنه
--> ( 1 ) سورة الأنعام آية ، ( 1 ) . ( 2 ) سورة البقرة آية ، ( 7 ) .