أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

332

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

حركات كثيرة ، وظلاله منقطعة ، فهي شمائل كثيرة ، فكان الظل عن اليمين متصلا واحدا عاما لكل شيء . السابع : قال ابن الضائع : « أفرد وجمع بالنظر إلى الغايتين ، لأن ظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى منه إلّا اليسير ، فكأنه من جهة واحدة الغايتان في الآية ، هذا من جهة المعنى ، وأما من جهة اللفظ ففيه مطابقة ، لأن « سُجَّداً » جمع فطابقه جمع الشمائل ، لاتصاله به ، فحصل في الآية مطابقة اللفظ للمعنى ولحظهما معا ، وتلك الغاية في الإعجاز . قوله : سُجَّداً حال من ظِلالُهُ ، و « سُجَّداً » جمع ساجد ، ك « شاهد ، وشهّد ، وراكع وركّع » . قوله : وَهُمْ داخِرُونَ في هذه الجملة ثلاثة أوجه : أحدها : أنها حال من الهاء في « ظِلالُهُ » . قال الزمخشري : « لأنه في معنى الجمع ، وهو ما خلق اللّه من كل شيء له ظل ، وجمع بالواو والنون ، لأن « الدخور » من أوصاف العقلاء ، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلّب » . وقد ردّ الشيخ « 1 » : هذا بأن الجمهور لا يجيزون مجيء الحال من المضاف إليه ، وهو نظير « جاءني غلام هند ضاحكة » قال : « ومن أجاز مجيئها منه إذا كان المضاف جزءا ، أو كالجزء جوّز الحالية منه هنا ، لأن الظل كالجزء ، إذ هو ناشىء عنه » . الثاني : أنها حال من الضمير المستتر في « سُجَّداً » ، فهي حال متداخلة . الثالث : أنها حال من « ظِلالُهُ » ، فينتصب عنه حالان ، ثم لك في هذه الواو اعتباران : أحدهما : أن تجعلها عاطفة حالا ، على مثلها ، فهي عاطفة وليست بواو حال ، وإن كان خلو الجملة الاسمية الواقعة حالا من الواو قليلا ، أو ممتنعا على رأي ، وممّن صرّح بأنها عاطفة أبو البقاء . والثاني : أنها واو الحال ، وعلى هذا فيقال : كيف يقضي العامل حالين ؟ فالجواب أنه جاز ذلك ، لأن الثانية بدل من الأولى ، فإن أريد بالسجود التذلل والخضوع ، فهو بدل كل من كل ، وإن أريد به حقيقته ، فهو بدل اشتمال ، إذ السجود مشتمل على الدّخور ، ونظير ما نحن فيه : « جاء زيد ضاحكا » ، وهو شاك « فقولك وهو شاك يحتمل الحالية من « زيد » ، أو من ضمير « ضاحكا » ، والدّخور : التّواضع ، قال الشاعر : 3004 - فلم يبق إلّا داخر في مخيّس * ومنجحر في غير أرضك في حجر « 2 » وقيل : هو القهر والغلبة ، ومعنى « داخِرُونَ » أذلاء صاغرون . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 49 إلى 50 ] وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 49 ) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 50 ) قوله : مِنْ دابَّةٍ .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 498 ) . ( 2 ) البيت لذي الرمة انظر ديوانه ( 364 ) ، الطبري ( 14 / 116 ) ، البحر المحيط ( 5 / 487 ) ، القرطبي ( 10 / 111 ) ، روح المعاني ( 14 / 154 ) .