أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

308

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

في موضع نصب هذا قول المفسرين ، وهو عندي غير صحيح لأن « كَما أَنْزَلْنا » ليس مما يقوله محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - بل هو من كلام اللّه تعالى ، فينفصل الكلام ، وإنما يترتب هذا القول بأن اللّه تعالى قال له : أنذر عذابا كما . والذي أقول في هذا أن المعنى : وقل إني أنا النذير المبين ، كما قال قبلك رسلنا ، وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك ، ويحتمل أن يكون المعنى : وقل إني أنا النذير المبين ، كما قد أنزلنا في الكتب أنك ستأتي نذيرا على أن المقتسمين أهل الكتاب » . وقد اعتذر بعضهم « 1 » عما قاله أبو محمد بن عطية ، فقال : الكاف متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى تقديره : أنا النذير بعذاب مثل ما أنزلنا وإن كان المنزل اللّه ، كما يقول بعض خواص الملك : أمرنا بكذا ، وإن كان الملك هو الآمر ، وأما قول أبي محمد : وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك . كلام غير منتظم ، ولعل أصله : وأنزلنا عليك ، كما أنزلنا عليهم ، وكذا أصلحه الشيخ « 2 » . وفيه نظر ، كيف يقدر ذلك والقرآن ناطق بخلافه ، وهو قوله : « عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ » . التاسع : أنه متعلق بقوله : « لَنَسْئَلَنَّهُمْ » تقديره : لنسألنهم أجمعين ، مثل ما أنزلنا . العاشر : أن الكاف مزيدة ، تقديره : أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين ، ولا بد من تأويل ذلك على أن « ما » مفعول ب « النَّذِيرُ » عند الكوفيين ، فإنهم يعملون الوصف الموصوف ، أو على إضمار فعل لائق ، أي : أنذركم ما أنزلنا ، كما يليق بمذهب البصريين . الحادي عشر : أنه متعلق ب « قُلْ » ، التقدير : وقل قولا ، كما أنزلنا على المقتسمين إنك نذير لهم ، فالقول للمؤمنين في النذارة كالقول للكفار والمقتسمين ، لئلا تظن أنّ انذارك للكفار مخالف لإنذار المؤمنين ، بل أنت في وصف النذارة لهم بمنزلة واحدة تنذر المؤمن ، كما تنذر الكافر ، كأنه قال : أنا النذير المبين لكم ولغيركم . [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 91 إلى 99 ] الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 96 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) قوله : الَّذِينَ جَعَلُوا . . . فيه أوجه : أظهرها : أنه نعت للمقتسمين . الثاني : أنه بدل منه . الثالث : أنه بيان له . الرابع : أنه منصوب على الذم . الخامس : أنه خبر مبتدأ مضمر .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 469 ) . ( 2 ) انظر المصادر السابقة .