أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
300
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وفيه نظر ، إذ الظاهر إضافته لفاعله ، إذ النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - هو . قوله : لا تَوْجَلْ . . . العامة على فتح التاء من « وجل » گ « شرب ، يشرب » ، والفتح قياس فعل إلّا أنّ العرب آثرت يفعل بالكسر في بعض الألفاظ إذا كانت فاؤه واوا ، نحو : نبق . وقرأ الحسن : « لا تؤجل » مبنيا للمفعول من الإيجال ، وقرىء : « لا تاجل » والأصل : تؤجل كقراءة العامة ، إلا أنه أبدل الواو ألفا ، لانفتاح ما قبلها ، وإن لم تتحرك كقولهم : تأبه وصامه ، في توبة وصومة ، وسمع « اللّهم تقبل تابتي وصامتي » ، وقرىء أيضا « 1 » : لا تؤجل من المؤاجلة . قوله : . . . أَ بَشَّرْتُمُونِي . . . . قرأ الأعرج « بشّرتموني » بإسقاط أداة الاستفهام ، فتحتمل الإخبار ، وتحتمل الاستفهام ، وإنما حذفت أداته للعلم بها . قوله : عَلى أَنْ مَسَّنِيَ في محل نصب على الحال ، وقرأ ابن محيصن « الكبر » بزنة فعل . قوله : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ بم : متعلق ب « تُبَشِّرُونَ » وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام ، وقرأ العامة بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع ، ولم يذكر مفعول « التبشير » وقرأ نافع بكسرها ، والأصل : تبشروني ، فحذف الياء مجتزيا عنها بالكسرة . وقد غلّطه أبو حاتم ، وقال : « هذا يكون في الشعر اضطرارا » . وقال مكي : « وقد طعن في هذه القراءة قوم لبعد مخرجها في العربية ، لأن حذف النون التي تصحب الياء ، لا يحسن إلّا في شعر ، وإن قدرت حذف النون الأولى حذفت علم الرفع ، من غير ناصب ولا جازم ، ولأن نون الرفع كسرها قبيح ، إنما حقها الفتح ، وهذا الطعن لا يلتفت إليه ، لأن ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءا عنها بالكسرة . وقد قرىء بذلك في قوله : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي « 2 » كما سيأتي بيانه . ووجهه أنه لما اجتمع نونان أحدهما للرفع والأخرى نون الوقاية ، استثقل اللفظ ، فمنهم من أدغم ، ومنهم من حذف ، ثم اختلف في المحذوفة ، هل هي الأولى ، أو الثانية ، وقد قدمت دلائل كل قول مستوفاة في سورة الأنعام « 3 » . وقرأ إبراهيم بتشديدها مكسورة ، أدغم الأولى في الثانية ، وحذف ياء الإضافة ، والحسن أثبت الياء مع تشديد النون ، ويرجع قراءة من أثبت مفعول « تُبَشِّرُونَ » وهو الياء . قوله : قالُوا بَشَّرْناكَ . . . . و بِالْحَقِّ متعلق بالفعل قبله ، ويضعف أن يكون حالا ، أي بشرناك ومعنا الحق . قوله : . . . وَمَنْ يَقْنَطُ . . . . هذا استفهام معناه النفي ، ولذلك وقع بعده الإيجاب ب « إِلَّا » وقرأ أبو عمرو والكسائي « يقنط » بكسر عين هذا المضارع حيث وقع ، والباقون بفتحها ، وزيد بن علي والأشهب بضمها ، وفي الماضي لغتان « قنط » بكسر النون ، « يَقْنَطُ » بفتحها « يقنط » بكسرها ، ولولا أنّ القراءة سنة متبعة لكان قياس من قرأ : يقنط بالفتح أن يقرأ ماضيه « قنط » بالكسر ، لكنهم أجمعوا على فتحه في قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا « 4 » . والفتح في الماضي هو الأكثر ، ولذلك
--> ( 1 ) . ( 2 ) سورة الزمر آية ، ( 64 ) . ( 3 ) آية ، رقم ( 80 ) . ( 4 ) سورة الشورى آية ، ( 28 ) .