أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

268

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 29 إلى 31 ] جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ ( 29 ) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ( 30 ) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ ( 31 ) قوله : جَهَنَّمَ . فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه بدل من « دارَ » . الثاني : أنه عطف بيان لها ، وعلى هذين الوجهين فالإحلال يقع في الآخرة . الثالث : أن ينتصب على الاشتغال بفعل مقدر ، وعلى هذا فالإحلال يقع في الدنيا ، لأن قوله : جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها واقع في الآخرة ، ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن أبي عبلة « جهنّم » بالرفع على أنها مبتدأ ، والجملة بعدها الخبر . وتحتمل قراءة ابن أبي عبلة وجها آخر ، وهو أن يرتفع على خبر ابتداء مضمر ، و « يَصْلَوْنَها » حال إما من « قَوْمَهُمْ » ، وإما من « دارَ » ، وإما من « جَهَنَّمَ » وهذا التوجيه أولى ، من حيث أنه لم يتقدم ما يرجح النصب ولا ما يجعله مساويا ، والقراء الجماهير على النصب ، فلم يكونوا ليتركوا الأفصح ، إلّا لأن المسألة ليست من الاشتغال في شيء ، وهذا الذي ذكرته أيضا ، مرجح لنصبه على البداية ، أو البيان على انتصابه على الاشتغال والبوار : الهلاك ، قال : 2914 - فلم أر مثلهم أبطال حرب * غداة الحرب إذ خيف البوار « 1 » وأصله : من الكساد ، كما قيل : كسد حتى فسد ، ولما كان الكساد يؤدي إلى الفساد والهلاك أطلق عليه البوار ، ويقال : بار يبور بوارا وبوارا ، ورجل حائر بائر . وقوله تعالى : وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً « 2 » يحتمل أن يكون مصدرا وصف به الجمع ، وأن يكون جمع « بائر » في المعنى ، ومن وقوع « بور » على الواحد قوله : 2915 - يا رسول المليك إنّ لساني * واثق ما فتقت إذ أنا بور « 3 » أي : هالك . قوله : لِيُضِلُّوا . قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا « وجعلوا للّه أندادا ليضلّوا » بفتح الياء ، والباقون بضمها من : أضله ، واللام هي لام الجر مضمرة بعدها « أن » ، وهي لام العاقبة ، لما كان مآلهم إلى ذلك ، ويجوز أن تكون للتعليل . وقيل : هي مع فتح . الياء للعاقبة فقط ، ومع ضمها محتملة للوجهين ، كان هذا القائل توهم أنهم لم يجعلوا الأنداد لضلالهم . وليس كما زعم ، لأن منهم من كفر عنادا ، واتخذ الآلهة ليضل نفسه . قوله : فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ( إلى النّار : خبر

--> ( 1 ) شعر . ( 2 ) سورة الفتح آية ، ( 12 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 414 ) ، القرطبي ( 9 / 365 ) ، روح المعاني ( 13 / 218 ) .