أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
245
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَجَعَلُوا . يجوز أن يكون استئنافا ، وهو الظاهر ، جيء به للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم تقريره . وقال الزمخشري : « ويجوز أن تقدر ما يقع خبرا للمبتدأ ويعطف عليه « وَجَعَلُوا » وتمثيله : أفمن هو بهذه الصفة لم يوجدوه « وَجَعَلُوا » له وهو اللّه الذي يستحق العبادة « شُرَكاءَ » . قال الشيخ « 1 » : « وفي هذا التوجيه إقامة الظاهر مقام المضمر في قوله : « وَجَعَلُوا لِلَّهِ » أي له . وفيه حذف الخبر غير المقابل ، وأكثر ما جاء هذا الخبر مقابلا » . وقيل : الواو للحال ، والتقدير : أفمن هو قائم على نفس موجود والحال أنهم جعلوا له شركاء ، فأقيم الظاهر ، وهو اللّه مقام المضمر تقريرا للألوهية وتصريحا لها . وقال ابن عطية : « ويظهر أن القول مرتبط بقوله : « وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ » كأن التقدير : أفمن له القدرة الوحدانية ، ويجعل له شريك ، أهل أن ينتقم ويعاقب أم لا ؟ ! ! ! » . وقيل : « وَجَعَلُوا » عطف على « اسْتُهْزِئَ » بمعنى : ولقد استهزؤا وجعلوا . وقال أبو البقاء : وهو معطوف على « كَسَبَتْ » ، أي : « ويجعلهم اللّه شركاء » . قوله : « أَمْ تُنَبِّئُونَهُ » أم : هذه منقطعة مقدرة ب « بَلْ » والهمزة والاستفهام للتوبيخ ، بل أتنبئونه شركاء لا يعلمهم في الأرض . ونحوه : قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ فجعل الفاعل ضميرا عائدا ، على اللّه والعائد « ما » محذوف ، تقديره : بما لا يعلمه اللّه وقد تقدم في تلك الآية أن الفاعل ضمير يعود على « ما » ، وهو جائز هنا أيضا . قوله : « أَمْ بِظاهِرٍ » الظاهر أنها منقطعة ، والظاهر - هنا - قيل : الباطل ، وأنشدوا : 2887 - أعيّرتنا ألبانها ولحومها * وذلك عار يا بن ريطة ظاهر « 2 » أي : باطل وفسره مجاهد ب « كذب » وهو موافق لهذا ، وقيل : ( أم ) متصلة ، أي : أتنبئونه بظاهر لا حقيقة له . قوله : وَصُدُّوا قرأ الكوفيون « وصدّوا » مبنيا للمفعول ، وفي غافر : وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ كذلك ، وباقي السبعة مبنيين للفاعل ، و « صدّ » جاء لازما ومتعديا ، فقراءة الكوفة من التعدي فقط ، وقراءة الباقين تحتمل أن تكون من المتعدي ، ومفعوله محذوف ، أي : صدوا غيرهم ، أو أنفسهم ، وأن يكون من اللازم ، أي : أعرضوا وتولوا . وقرأ ابن وثاب « وصدّوا » - « وصدّ عن السّبيل » بكسر الصاد ، وهو مبني للمفعول ، أجراه مجرى : قيل وبيع ، فهو كقراءة : « رُدَّتْ إِلَيْنا » . 2888 - وما حلّ من جهل حبى حلمائنا * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 3 » وقد تقدم . قوله : مَثَلُ الْجَنَّةِ . مبتدأ وخبره محذوف ، وتقديره : فيما قصصنا ، أو فيما يتلى عليكم مثل الجنة ، وعلى هذا فقوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ تفسير لذلك المثل . وقال أبو البقاء : فعلى هذا « تَجْرِي » حال من العائد المحذوف في « وُعِدَ » ، أي : وعدها مقدرا جريان أنهارها - ثم نقل عن الفراء أنه جعل الخبر قوله « تَجْرِي » - قال : « وهذا خطأ عند البصريين . قال : لأنّ المثل لا تجري من تحته الأنهار ، وإنّما هو من صفات المضاف إليه ، وشبهته أن المثل هنا
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 394 ) . ( 2 ) البيت في تفسير البحر ( 5 / 395 ) ، والقرطبي ( 9 / 323 ) ، وروح المعاني ( 13 / 161 ) . ( 3 ) تقدم .