أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

246

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بمعنى الصفة ، فهو كقولك : « صفة زيد أنّه طويل » ويجوز أن يكون « تَجْرِي » مستأنفا » . قلت : وهذا الذي ذكره أبو البقاء نقل نحوه الزمخشري ، ونقل غيره عن الفراء في الآية تأويلين آخرين . أحدهما : على حذف لفظة « أنها » والأصل : صفة الجنة أنها تجري ، وهذا منه تفسير معنى لا إعراب ، وكيف تحذف « أنها » من غير دليل . والثاني : أن لفظة « مَثَلُ » زائدة ، والأصل : الجنة تجري من تحتها الأنهار . وزيادة « مَثَلُ » كثيرة في لسانهم . ومنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 1 » - فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ وقد تقدم « 2 » . وقال الزمخشري : « وقال غيره - أي غير سيبويه - الخبر « تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » كما تقول : « صفة زيد أسمر » . قال الشيخ « 3 » : « وهذا أيضا لا يصح أن يكون « تَجْرِي » خبرا عن الصفة ولا « أسمر » خبرا عن الصفة ، وإنما يتأول « تَجْرِي » على إسقاط « أن » ورفع الفعل ، والتقدير : أن تجري ، أي : جريانها . قال الزجاج : « مثل الجنة تجري ، على حذف الموصوف تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهده . وردّ عليه أبو علي قال : « لا يصح ما قال الزجاج لا على معنى الصفة ولا على معنى الشبه ، لأن الجنة التي قدرها جثة ، ولا تكون صفة ، ولأن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين وهو حدث ، والجنة جثة فلا تكون المماثلة » . والجمهور على أن المثل هنا بمعنى الصفة ، وليس هنا ضرب مثل فهو كقوله تعالى : « وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى » ، وأنكر أبو علي أن يكون بمعنى الصفة ، قال : معناه الشبه . وقرأ علي وابن مسعود « أمثال الجنّة » ، أي : صفاتها . و أُكُلُها دائِمٌ كقوله : تَجْرِي في الاستئناف التفسيري ، أو الخبرية ، أو الحالية ، وقد تقدم خلاف القراء في البقرة . [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 36 إلى 43 ] وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ ( 36 ) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ ( 37 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ( 38 ) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ ( 39 ) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ( 40 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 41 ) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ( 42 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 )

--> ( 1 ) سورة الشورى آية ، ( 11 ) . ( 2 ) انظر سورة البقرة آية ، ( 137 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 396 ) .