أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

228

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

في الأول والثاني ، وأما القسم الثاني : فأوله ما في سورة النمل ، وحكمه : أن نافعا يخبر في الأول ، ويستفهم في الثاني ، وأن ابن عامر والكسائي بعكسه ، أي : يستفهمان في الأول ويخبران في الثاني ، وأن الباقين يستفهمون فيهما . الثاني : ما في سورة العنكبوت ، وحكمه : أنّ نافعا وابن كثير وابن عامر وحفصا يخبرون في الأول ، ويستفهمون في الثاني ، وأنّ الباقين يستفهمون فيهما . الثالث : ما في سورة الواقعة ، وحكمه : أنّ نافعا والكسائي يستفهمان في الأول ، ويخبران في الثاني ، وأنّ الباقين يستفهمون فيهما . الرابع : ما في سورة النازعات ، وحكمه : أنّ نافعا وابن عامر والكسائي يستفهمون في الأول ، ويخبرون في الثاني ، وأنّ الباقين يستفهمون فيهما . وأما الطريق الآخر بالنسبة إلى القراء ، فأقول : إنّ القراء فيها على أربع مراتب ، الأولى : أن نافعا قرأ بالاستفهام ، في الأول ، وبالخبر في الثاني ، إلّا في النمل والعنكبوت فإنه عكس . المرتبة الثانية : أن ابن كثير وحفصا قرأ بالاستفهام في الأول والثاني ، إلّا في الأولى من العنكبوت فقرأه بالخبر . المرتبة الثالثة : أنّ ابن عامر قرأ بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني ، إلّا في النمل والواقعة والنازعات ، فقرأ في النمل والنازعات بالاستفهام في الأول وبالخبر في الثاني ، وفي الواقعة بالاستفهام فيهما . المرتبة الرابعة : الباقون وأبو عمرو وأبو حمزة وأبو بكر قرأوا بالاستفهام في الأول والثاني ، ولم يخالف أحد منهم أصله ، وإنما ذكرت هذين الطريقين لعسرهما وصعوبة استخراجهما من كتب القراءات ، ثم الوجه في قراءة من استفهم في الأول والثاني تأكيدا ، والوجه في قراءة من أتى به مرة واحدة ، حصول المقصود به ، لأن كل جملة مرتبطة بالأخرى ، فإذا أنكر في إحداها حصل الإنكار في الأخرى ، وأما من خالف أصله في شيء من ذلك فلاتباع الأثر . [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 6 إلى 8 ] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ( 6 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ( 7 ) اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ( 8 ) قوله : قَبْلَ الْحَسَنَةِ . فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلق بالاستعجال ظرفا له ، والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال مقدرة من « السّيّئة » ، قاله أبو البقاء . قوله : « وَقَدْ خَلَتْ » يجوز أن يكون حالا - وهو الظاهر - ويجوز أن تكون مستأنفة . والعامة على فتح الميم وضم المثلثة الواحدة مثله : ك « سمرة ، وسمرات » وهي العقوبة الفاضحة . قال ابن عباس : العقوبات المستأصلات كمثلة قطع الأذن والأنف ونحوهما ، سميت بذلك لما بين العقاب والمعاقب من المماثلة ، كقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 1 » ، أو لأخذها من المثال بمعنى القصاص ، يقال : أمثلت الرّجل من صاحبه ، وأقصصته بمعنى واحد ، أو لأخذها من ضرب المثل لعظم شأنها . وقرأ ابن مصرف بفتح الميم وسكون الثاء ، قيل : وهي لغة الحجاز في مثله ، وقرأ ابن وثاب بضم الميم وسكون الثاء وهي لغة تميم وقرأ الأعمش ومجاهد بفتحها ،

--> ( 1 ) سورة الشورى ، آية : ( 40 ) .