أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
218
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
العامة على « يوحي » بالياء من تحت مبنيا للمفعول ، وقرأ حفص « نُوحِي » بالنون مبنيا للفاعل ، اعتبارا بقوله : « وَما أَرْسَلْنا » ، وكذلك قرأ ما في النحل وما في أول الأنبياء ، ووافقه الأخوان على قوله « نُوحِي إِلَيْهِ » في الأنبياء على ما سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - والجملة صفة ل « رِجالًا » ، و « مِنْ أَهْلِ الْقُرى » صفة ثانية ، وكان تقديم هذه الصفة على ما قبلها أكثر استعمالا ، لأنها أقرب إلى المفرد وقد تقدم تحريره في المائدة « 1 » . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 110 ] حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 110 ) قوله : حَتَّى . في الكلام شيء يكون « حَتَّى » غاية له ، فمن ثمّ اختلف الناس في تقدير شيء يصح تغييته ب « حَتَّى » - فقدره الزمخشري : وما أرسلنا من قبلك إلّا رجالا فتراخى نصرهم حتى . وقدره القرطبي : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ، فدعوا قومهم فكذبوهم وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا ، وأحسنها ما قدمته ، وتصيد ابن عطية شيئا من معنى قوله : « أَ فَلَمْ يَسِيرُوا » ، فقال : « ويتضمن قوله » : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا إلى مِنْ قَبْلِهِمْ أن الرسل الذين بعثهم اللّه من أهل القرى دعوهم فلم يؤمنوا بهم حتى نزلت بهم المثلات فصيروا في حيز من يعتبر بعاقبته ، فلهذا المتضمن حسن أن تدخل « حَتَّى » في قوله « حَتَّى إِذَا » . قال الشيخ « 2 » : ولم يتلخص لنا من كلامه شيء يكون ما بعد حتى غاية له ، لأنه علق على الغاية بما ادعى أنه فهم ذلك من قوله : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا . . . الآية . قلت : وقوله : دعوهم فلم يؤمنوا ، هو المعنى . قوله : كُذِبُوا قرأ الكوفيون « كُذِبُوا » بالتخفيف ، والباقون بالتثقيل ، فأما قراءة التخفيف ، فاضطربت أقوال الناس فيها ، وروي انكارها عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : معاذ اللّه ، لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها ، وهذا ينبغي ألّا يصح عنها لتواتر هذه القراءة ، وقد وجهها الناس بأربعة أوجه : أجودها : أن الضمير في « وَظَنُّوا » عائد على المرسل إليهم لتقدمهم في قوله : « كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » ولأن الرسل تستدعي مرسلا إليه ، والضميران في « أَنَّهُمْ » و « كُذِبُوا » عائدان على الرسل ، أي : وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا ، أي : كذبهم من أرسلوا إليهم بالوحي وبنصرهم عليهم . الثاني : أن الضمائر الثلاثة عائدة على الرسل ، وقال الزمخشري : « في تقدير هذا الوجه : حتى إذا استيأسوا من النصرة » « وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا » ، أي : كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم ، بأنهم ينصرون ، أو رجاؤهم كقولهم : رجاء صادق ، ورجاء كاذب . والمعنى : أنّ مدة التكذيب والعداوة من الكفار ، وانتظار النصر من اللّه ، وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت حتى استشعروا القنوط وتوهموا ألا نصر لهم في الدنيا ، فجاءهم نصرنا انتهى » . فقد جعل الفاعل المقدر إما أنفسهم وإما رجاؤهم ، وجعل الظن بمعنى : التوهم فأخرجه عن معناه الأصلي وهو يرجح أحد الطرفين وعن مجازه وهو استعماله في المتيقن .
--> ( 1 ) آية : رقم ( 54 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 354 ) .