أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
219
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثالث : أنّ الضمائر كلها عائدة على الرسل والظن على بابه من الترجيح ، وإلى هذا نحا ابن عباس وابن مسعود وابن جبير . قالوا : والرسل بشر ، فضعفوا أو ساء ظنهم - وهذا لا ينبغي أن يصح عن هؤلاء فإنها عبارة غليظة على الأنبياء - عليهم السّلام - وحاشى الأنبياء من ذلك ، ولذلك ردت عائشة وجماعة كثيرة هذا التأويل ، وأعظموا أن ينسب الأنبياء إلى شيء من ذلك . قال الزمخشري : « إن صح هذا عن ابن عباس ، فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية . وأما الظن الذي هو ترجيح أحد الجائزين على الآخر ، فغير جائز على رجل من المسلمين ، فما بال رسل اللّه الذين هم أعرف بربهم ؟ « قلت : ولا يجوز أيضا أن يقال : خطر ببالهم شبه الوسوسة ، فإن الوسوسة من الشيطان ، وهم معصومون منه ، وقال الفارسي أيضا : « إن ذهب ذاهب إلى أن المعنى ظن الرسل الذين وعد اللّه أممهم على لسانهم قد كذبوا فيه فقد أتى عظيما ، لا يجوز أن ينسب مثله إلى الأنبياء ، ولا إلى صالحي عباد اللّه ، وكذلك من زعم أن ابن عباس ذهب إلى أن الرسل قد ضعفوا فظنوا أنهم قد أخلفوا ، لأن اللّه لا يخلف الميعاد ولا مبدل لكلماته » . وقد روي عن ابن عباس أيضا أنه قال : وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم اللّه به من النصر ، وقال : كانوا بشرا وتلا قوله تعالى : وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ . الرابع : أن الضمائر كلها ترجع إلى المرسل إليهم وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من النبوة وفيما يوعدون به من لم يؤمن بهم من العقاب ، قيل « 1 » : وهذا هو المشهور من تأويل ابن عباس وابن مسعود وابن جبير ومجاهد ، قالوا : ولا يجوز عود الضمائر على الرسل ، لأنهم معصومون ، ويحكى أن ابن جبير حين سئل عنها ، فقال : نعم إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم ، وظن المرسل إليهم أنّ الرسل قد كذبوهم ، وقال الضحاك بن مزاحم - وكان حاضرا ، لو رحلت في هذه إلى اليمن كان قليلا ، وأما قراءة التشديد فواضحة ، وهو أن تعود الضمائر كلها على الرسل ، أي : وظن الرسل أنهم قد كذبهم أممهم فيما جاءوا به لطول البلاء عليهم ، وفي صحيح البخاري عن عائشة - رضي اللّه عنها - : أنها قالت : « هم أتباع الأنبياء الذّين آمنوا بربّهم وصدّقوا طال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النّصر حتّى إذا استيأس الرّسل ممّن كذّبهم من قومهم ، وظنّت الرّسل أنّ قومهم قد كذّبوهم ، جاءهم نصر اللّه عند ذلك » . قلت : وبهذا يتحد معنى القراءتين ، والظن هنا يجوز أن يكون على بابه ، وأن يكون بمعنى اليقين ، وأن يكون بمعنى التوهم حسبما تقدم . وقرأ ابن عباس والضحاك ومجاهد « كذبوا » بالتخفيف مبنيا للفاعل ، والضمير على هذه القراءة في « ظَنُّوا » عائد على الأمم ، وفي « أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا » عائد على الرسل ، أي : ظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما وعدوهم به من النصر أو من العقاب ، ويجوز أن يعود الضمير في « ظَنُّوا » على الرسل ، وفي « أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا » على المرسل إليهم ، أي : وظن الرسل أنّ الأمم كذّبوهم فيما وعدوهم به من أنهم يؤمنون بهم ، والظن هنا بمعنى اليقين واضح ، ونقل أبو البقاء أنه قرىء مشددا مبنيا للفاعل ، وأوله بأن الرسل ظنّوا أن الأمم قد كذبوهم . وقال الزمخشري - بعد أن حكى قراءة المبني للفاعل - : « ولو قرىء بها مشددا لكان معناه ، وظن الرسل أن قومهم كذبوهم في موعدهم » . فلم يحفظها قراءة وهي غريبة ، وكان قد جوّز في القراءة المتقدمة أنّ الضمائر كلها تعود على الرسل ، وأن يعود الأول على المرسل إليهم ، وما بعده على الرسل ، فقال ؛ « وقرأ مجاهد « كذبوا » بالتخفيف على البناء للفاعل على : وظن الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به قومهم من النصرة ، إما على تأويل ابن عباس ، وإما على أنّ قومهم إذا لم يروا لموعدهم أثرا قالوا لهم : قد كذبتمونا فيكونون كاذبين عند قومهم ، أو ظنّ المرسل إليهم أنّ الرسل قد
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 354 ) .