أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

216

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : ( أنّه ) مفعول ثان . والثالث : أنه مصدر مؤكد للفعل من حيث المعنى ، أي : حققها ربي حقا بجعله قوله : « أَحْسَنَ بِي » أحسن : أصله : أن يتعدى ب « إلى » ، قال تعالى : وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ « 1 » ، فقيل : ضمن معنى لطف ، فتعدى بالباء كقوله تعالى : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً « 2 » ، وقول كثيّر عزة : 2859 - أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقليّة إن تقلّت « 3 » وقيل : بل يتعدى بها أيضا ، وقيل : هي بمعنى إلى ، وقيل : المفعول محذوف : أحسن صنعه بي . ف « بِي » متعلق بذلك المحذوف وهو تقدير أبي البقاء ، وفيه نظر من حيث حذف المصدر ، وإبقاء معموله ، وهو ممنوع عند البصريين . و « إِذْ » منصوب ب « أَحْسَنَ » أو المصدر محذوف ، قاله أبو البقاء ، وفيه النظر المتقدم . و « الْبَدْوِ » : ضدّ الحضارة ، وهو من الظهور ؛ بدا يبدو إذا سكن البادية ، إذا بدونا جفونا . يروى عن أبي عمرو ، أي : تخلقنا بأخلاق البدويين . قوله : لَطِيفٌ لِما يَشاءُ لطف : أصله أن يتعدى بالياء ، وإنما تعدى باللام لتضمنه معنى « مدبّر » أي : أنت مدبّر بلطفك لما تشاء . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 101 إلى 109 ] رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 101 ) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ( 102 ) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 104 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 107 ) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 109 ) وقرأ عبد اللّه : آتيتن وعلّمتن . ياء فيهما . وحكى ابن عطية أن ابن ذر قرأ : « أتيتني » بغير ألف بعد الهمزة . و « مِنَ » في « مِنَ الْمُلْكِ » لبيان الجنس ، وهذان بعيدان ، و « فاطِرَ » يجوز أن يكون نعتا ل « رَبِّ » ، ويجوز أن يكون بدلا أو بيانا ، أو منصوبا بإضمار أعني أو بدا ثانيا .

--> ( 1 ) سورة القصص ، آية : ( 77 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية : ( 83 ) . ( 3 ) تقدم .