أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

212

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : ما قاله أبو الفتح من أن الأصل أئنّك لغير يوسف ، أو أنت يوسف ، فحذف خبر « إنّ » لدلالة المعنى عليه . والثاني : ما قاله الزمخشري ، وهو : أئنّك يوسف أو أنت يوسف ، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع ، فهو يكرر الاستثبات . قوله : يَتَّقِ : قرأ قنبل « يتّقي » بإثبات الياء وصلا ووقفا ، والباقون بحذفها فيهما ، فأما قراءة الجماعة فواضحة ، لأنه مجزوم ، وأما قراءة قنبل فاختلف فيها الناس على قولين : أحدهما : أن إثبات حرف العلة في الجزم لغة بعض العرب ، وأنشدوا على ذلك قول قيس بن زهير : 2851 - ألم يأتيك والأنهاء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد « 1 » وقول الآخر : 2852 - هجوت زبّان ثمّ جئت معتذرا * من هجو زبّان لم تهج ولم تدع « 2 » وقوله : 2853 - إذا العجوز غضبت فطلّق * ولا ترضاها ولا تملّق « 3 » ومذهب سيبويه « 4 » أن الجزم بحذف الحركة المقدرة ، وإنما تبعها حرف العلة في الحذف تفرقة بين المرفوع والمجزوم ، واعترض عليه بأن الجازم تبين أنه مجزوم وعدمه تبين أنه غير مجزوم ، وأجيب بأنه في بعض الصور يلبس فاطرد الحذف ، بيانه : أنك إذا قلت : « زرني أعطيك » بثبوت الياء ، احتمل أن يكون « أعطيك » جزاء لزيارته ، وأن يكون خبرا مستأنفا ، فإذا قلت : أعطك بحذفها ، تعين أن يكون جزاء له ، وقد وقع اللبس بثبوت حرف العلة ، وفقد بحذفه ، فيقال : حرف العلة يحذف عند الجازم لا به ، ومذهب ابن السراج أن الجازم أثّر في نفس الحرف ، فحذفه ، وفيه البحث المتقدم . الثاني : أنه مرفوع غير مجزوم ، و « مَنَّ » موصولة ، والفعل صلتها ، فلذلك لم تحذف لامه ، واعترض على هذا ، بأنه قد عطف عليه مجزوم ، وهو قوله « وَيَصْبِرْ » فإنّ قنبلا لم يقرأ إلا ساكن الراء ، وأجيب عن ذلك بأن التسكين لتوالي الحركات ، وإن كان من كلمتين كقراءة أبي عمرو « ينصركم » ، و « يأمركم » ، وأجيب أيضا بأنه جزم على التوهم : يعني : كانت من الموصولة تشبه « من » الشرطية ، وهذه عبارة فيها غلط على القرآن ، فينبغي أن يقال : فيها مراعاة للشبه اللفظي ، ولا يقال : للتوهم ، وأجيب أيضا أنه سكن للوقف ثم أجرى الوصل مجرى الوقف وأجيب أيضا بأنه إنما جزم حملا ل « مَنَّ » الموصولة على « من » الشرطية لأنها مثلها في المعنى ، ولذلك دخلت الفاء على خبرها . قلت : وقد يقال : على هذا يجوز أن تكون « من » الشرطية ، وإنما ثبت الياء ولم تجزم « مَنَّ » لشبهها

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت لرؤبة بن العجاج انظر ملحقات ديوانه ( 179 ) ، المنصف ( 2 / 115 ) ، الخصائص ( 1 / 307 ) ، شرح ديوان الحماسة ( 4 / 1771 ) ، الإنصاف ( 1 / 26 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 10 / 104 ) ، الهمع ( 1 / 52 ) ، الدرر ( 1 / 28 ) ، التصريح ( 1 / 87 ) . ( 4 ) انظر الكتاب ( 1 / 315 ) .