أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

213

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ب « مَنَّ » الموصولة ، ثم لم يعتبر هذا الشبه في قوله : « وَيَصْبِرْ » فلذلك جزمه ، إلّا أنه يبعد من جهة أن العامل لم يؤثر فيما بعده ، ويليه ويؤثر فيما هو بعيد منه ، وقد تقدم الكلام في مثل هذه المسألة أول السورة ، في قوله : « يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ » . وقوله : « فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ » الرابط بين جملة الشرط وجوابها إما العموم في « الْمُحْسِنِينَ » ، وإما الضمير المحذوف ، أي : المحسنين منهم ، وإما لقيام « أل » مقامه ، والأصل : محسنيهم فقامت « أل » مقام ذلك الضمير . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 91 إلى 95 ] قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ( 91 ) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 92 ) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ( 93 ) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ( 94 ) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ( 95 ) قوله : آثَرَكَ . أي : تفضل عليك ، والإيثار : التفضيل بجميع أنواع العطايا ، وأثره يؤثره إيثارا ، وأصله : من الأثر ، وهو تتبع الشيء ، فكأنه يستقصي أنواع المكارم . وفي الحديث : « سيكون بعدي أثره » ، أي : يستأثر بعضكم على بعض ، ويقال : استأثر بكذا ، أي : اختصّ به ، واستأثر اللّه بفلان ، كناية عن اصطفائه له ، قال : 2854 - واللّه أسماك سمى مباركا * آثرك اللّه به إيثاركا « 1 » قوله : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ يجوز أن يكون خبرا ل « لا » ، و « الْيَوْمَ » يحتمل : أن يتعلق به هذا الخبر ، أي : لا تثريب مستقر عليكم اليوم ، ويجوز أن يكون « الْيَوْمَ » خبر « لا » و « عَلَيْكُمُ » متعلق بما تعلق به هذا الظرف ، ويجوز أن يكون « عَلَيْكُمُ » صفة لاسم « لا » ، و « الْيَوْمَ » خبرها أيضا ، ولا يجوز أن يتعلق كل من الظرف والجار 1 ب « تَثْرِيبَ » ، لأنه يصير مطولا شبيها بالمضاف ، ومتى كان كذلك أعرب ونوّن نحو : « لا خيرا من زيد عندك » ويرد عليه الظرف بأنه يلزم الفصل بين المصدر المؤول بالموصول ، ومعموله بأجنبي ، وهو « عَلَيْكُمُ » ، لأنه إما خبر وإما صفة ل « تَثْرِيبَ » . وقد جوز الزمخشري أن يكون الظرف متعلقا ب « تَثْرِيبَ » ، فقال : فإن قلت ، بم يتعلق « الْيَوْمَ » ؟ قلت : بالتثريب أو بالمقدر في « عَلَيْكُمُ » من معنى الاستقرار ، أو ب « يَغْفِرُ » . قلت : فجعله أنه متعلق ب « تَثْرِيبَ » ، وفيه ما تقدم . وقد أجرى بعضهم الاسم العامل مجرى المضاف ، لشبهه به فنزع ما فيه من تنوين ، وجعل الفارسي من ذلك قول الشاعر : 2855 - أراني ولا كفران للّه أيّة * لنفسي وقد طالبت غير منيل « 2 » قال : فإنه منصوب ب « كفران » ، أي : لا أكفر اللّه رحمة لنفسي ، ولا يجوز أن ينصب « أيّة » ب « أويت » مضمرا ، لئلا يلزم الفصل بين مفعولي « أرى » بجملتين أي ب « لا » وما في حيزها وب « أويت » المقدرة ومعنى أويت رققت وجعل منه الشيخ جمال الدين بن مالك ما جاء في الحديث : « لا صمت يوم إلى اللّيل « 3 » » برفع « يوم » على

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) أخرجه البيهقي ( 6 / 57 ) ، ( 7 / 461 ) ، وعبد الرزاق في المنصف ( 11450 ) ، و ( 13899 ) ، ( 15919 ) ،