أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
207
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الخامس : أن تكون مصدرية أيضا ، ومحلها نصب عطفا على اسم « أَنَّ » أي : ألم تعلموا أنّ أباكم وأن تفريطكم من قبل في يوسف ، وحينئذ يكون في خبر « أَنَّ » هذه المقدرة وجهان : أحدهما : هو « مِنْ قَبْلُ » . والثاني : هو « فِي يُوسُفَ » واختاره أبو البقاء ، وقد تقدم ما في كل منهما ، ويرد على هذا الوجه الخامس ما ردّ به على ما قبله من الفصل بين حرف العطف والمعطوف ، وقد عرف ما فيه . السادس : أن تكون موصولة اسمية ، ومحلها الرفع ، أو النصب على ما تقدم في المصدرية . قال الزمخشري : « بمعنى : ومن قبل هذا ما فرطتموه ، أي : قدمتموه في حق يوسف من الخيانة ، ومحلها الرفع أو النصب على » . قلت : يعني بالوجهين رفعها بالابتداء ، وخبرها « مِنْ قَبْلُ » ، ونصبها عطفا على مفعول « أَ لَمْ تَعْلَمُوا » فإنه لم يذكر في المصدرية غيرهما ، وقد عرفت ما اعترض به عليهما ، وما قيل في جوابه ، فتحصّل في « ما » ثلاثة أوجه : 000000 الزيادة ، وكونها مصدرية ، أو بمعنى الذي ، وأن في محلها وجهين : الرفع والنصب ، وقد تقدم تفصيل ذلك كله . قوله : فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ برح هنا : تامة ضمنت معنى أفارق ف « الْأَرْضَ » مفعول به ، ولا يجوز أن تكون تامة من غير تضمين ، لأنها إذا كانت كذلك ، كان معناها ظهر أو ذهب ، ومنه : برح الخفاء ، أي : ظهر أو ذهب ، معنى الظهور لا يليق ، والذهاب لا يصل إلى الظرف المخصوص إلّا بواسطة « في » تقول : « ذهبت في الأرض » ، ولا يجوز : « ذهبت الأرض » ، وقد جاء شيء لا يقاس عليه . وقال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون ظرفا » . قلت : ويحتمل أن يكون سقط من النسخ لفظة « لا » ، ولا يجوز أن يكون ظرفا . واعلم أنه لا يجوز في « أَبْرَحَ » هنا أن تكون ناقصة ، لأنه لا ينتظم من الضمير الذي فيها ومن « الْأَرْضَ » مبتدأ وخبر ، ألا ترى أنك لو قلت : « أنا الأرض » ، لم يجز من غير « في » ، بخلاف : أنا في الأرض ، وزيد في الأرض ؟ . قوله : أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ في نصبه وجهان : أحدهما - وهو الظاهر - : عطفه على « يَأْذَنَ » . والثاني : أنه منصوب بإضمار « أن » في جواب النفي ، وهو قوله : « فَلَنْ أَبْرَحَ » ، أي : لن أبرح الأرض إلا أن يحكم ، كقولهم : « لألزمنك أو تقضيني حقي » أي : « إلّا أن تقضيني » . قال الشيخ « 1 » : « ومعناها ومعنى الغاية متقاربان » . قلت : وليس المعنى على الثاني ، بل سياق المعنى على عطفه على « يَأْذَنَ » ، فإنه غيّا الأمر بغايتين ، إحداهما : خاصة وهي : إذن أبيه ، والثانية : عامة ، لأن إذن أبيه له في الانصراف هو من حكم اللّه . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 81 إلى 82 ] ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ( 81 ) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 82 )
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 337 ) .