أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
208
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 83 إلى 85 ] قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 83 ) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) وقرأ العامة : سَرَقَ . مبنيا للفاعل ، مخففا ، وابن عباس وأبو رزين والكسائي في رواية « سرّق » مبنيا للمفعول مشددا ، وقد تقدم توجيههما ، وقرأ الضحاك « سارق » جعله اسم فاعل . قوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ . يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها - وهو المشهور - : أنه على حذف مضاف ، تقديره : واسأل أهل القرية وأهل العير ، وهو مجاز سائغ ، قاله ابن عطية وغيره . قلت : وهذا على خلاف في المسألة ، هل الإضمار من المجاز أو غيره ؟ المشهور أنه قسم منه وعليه أكثر الناس . قال أبو المعالي : « قال بعض المتكلمين » : هذا من الحذف وليس من المجاز . لفظة استعيرت ما هي له ، قال : « وحذف المضاف هو عين المجاز وعظمه » . هذا مذهب سيبويه « 1 » وغيره ، وحكى أنه قول الجمهور . وقال فخر الدين الرازي : « إنّ المجاز والإضمار قسيمان لا قسمان ، فهما متباينان . الثاني : أنه مجاز ، ولكنه من باب اطلاق اسم المحل على الحال للمجاورة كالرّواية . الثالث : أنه حقيقة لا مجاز فيه ، وذلك أنه يجوز أن يسأل القرية نفسها والإبل تجيبه ، لأنه نبي يجوز أن ينطق له الجماد والبهائم . قوله : بَلْ سَوَّلَتْ . هذا الإضراب لا بد له من كلام قبله متقدم عليه يضرب هذا عنه ، والتقدير : ليس الأمر كما ذكرتم حقيقة بل سوّلت . وتقدم تفسير مثل هذا وما بعده . قوله : يا أسفا . الألف منقلبة عن ياء المتكلم ، وإنما قلبت ألفا ، لأن الصوت معها أتم ، ونداؤه على سبيل المجاز ، كأنه قال : هذا أوانك فاحضر ، نحو : يا حسرتا « 2 » ، وقيل : هذه ألف الندبة . وحذفت هاء السكت وصلا . قال الزمخشري : « والتجانس بين لفظتي الأسف ويوسف ، مما يقع مطبوعا غير معتمد فيما يبدع ، ونحوه : اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ « 3 » ، يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ، « 4 » يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ « 5 » ، مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ « 6 » . قلت : ويسمى هذا النوع تجنيس التصريف : وهو أن تشترك الكلمتان في لفظ ويفرق بينهما بحرف ليس في الأخرى ، وقد
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 1 / 212 ) . ( 2 ) سورة الزمر ، آية : ( 56 ) . ( 3 ) سورة التوبة ، آية : ( 38 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية : ( 26 ) . ( 5 ) سورة الكهف ، آية : ( 104 ) . ( 6 ) سورة النمل ، آية ؛ ( 22 ) .