أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
186
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« سِمانٍ » ، لأنه نقيضه ، ومن دأبهم حمل النظير على النظير ، والنقيض على النقيض ، قاله الزمخشري : « والعجف » شدة الهزال الذي ليس بعده شيء ، قال : 2818 - عمرو الّذي هشم الثّريد لقومه * ورجال مكّة مسنتون عجاف « 1 » وقال الراغب : هو من قولهم : نصل أعجف أي : دقيق ، وعجفت نفسي عن الطعام ، وعن فلان ، إذا نبت وأعجف الرّجل : أي : صارت ماشيته عجافا . قوله : وَأُخَرَ ، أخر نسق على « سَبْعَ » لا على « سُنْبُلاتٍ » ويكون قد حذف اسم العدد من قوله : « وَأُخَرَ يابِساتٍ » ، والتقدير : وسبعا أخر ، وإنما حذف ، لأن التقسيم في البقرات نقيض التقسيم في السنبلات ، قال الزمخشري : « فإن قلت : هل في الآية دليل على أن السنبلات اليابسة كانت سبعا كالخضر ؟ قلت : الكلام مبني على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السّمان والعجاف ، والسنبلات الخضر ، فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع ، ويكون قوله : « وَأُخَرَ يابِساتٍ » بمعنى : وسبعا أخر ، انتهى . وإنما لم يجز عطف أخر على التمييز ، وهو « سُنْبُلاتٍ » فيكون « أُخَرَ » مجرورا لا منصوبا ، لأنه من حيث العطف عليه يكون من جملة مميز « سَبْعَ » ، ومن جهة كونه أخر يكون مباينا ل « سَبْعَ » فتدافعا ، ولو كان تركيب الآية الكريمة سبع سنبلات خضر ويابسات ، لصح العطف ، ويكون من توزيع السنبلات إلى هذين الوصفين ، أعني الاخضرار واليبس ، وقد وضح الزمخشري هذا حيث قال : « فإن قلت : هل يجوز أن يعطف قوله : « وَأُخَرَ يابِساتٍ » على « سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ » فيكون مجرور المحل ؟ قلت : يؤدي إلى تدافع ، وهو أن عطفها على « سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ » يقتضي أن يكون داخلا في حكمها فيكون معها مميزا للسبع المذكورة ، ولفظ أخر يقتضي أن يكون غير السبع . بيانه : أنك تقول : عنده سبعة رجال قيام وقعود ، بالجر فيصح ، لأنك ميزت السبعة ب « رجال » موصوفين بالقيام والقعود ، على أن بعضهم قيام وبعضهم قعود ، فلو قلت : عنده سبعة ، رجال قيام وآخرون قعود ، تدافع ففسد » . قوله : لِلرُّءْيا فيه أربعة أوجه : أحدها : أن اللام فيه مزيدة فلا تعلق لها بشيء ، وزيدت لتقدم المعمول مقوية للعامل ، كما زيدت فيه إذا كان العامل فرعا كقوله تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ « 2 » ولا تزاد فيما عدا ذينك إلّا ضرورة كقوله : 2819 - فلمّا أن تواقفنا قليلا * أنخنا للكلأكل فارتمينا « 3 » يريد : أنخنا الكلأكل ، فزيدت مع فقدان الشرطين ، هكذا عبارة بعضهم ، يقول : إلّا في ضرورة ، وبعضهم يقول : الأكثر ألا تزاد ، ويتحرز من قوله تعالى : رَدِفَ لَكُمْ فإن الأصل : ردفكم فزيدت فيه اللام ، ولا تقدم ولا فرعية ، ومن أطلق ذلك جعل الآية من باب التضمين ، وسيأتي في مكانه ، وقد تقدم لك من هذا طرف جيد في تضاعيف هذا التصنيف . الثاني : أن يضمن « تَعْبُرُونَ » معنى ما يتعدى باللام ، تقديره : إن كنتم تنتدرون لعبارة الرؤيا . الثالث : أن يكون « لِلرُّءْيا » هو خبر « كُنْتُمْ » كما تقول : كان فلان لهذا الأمر ، إذا كان مستقلا به متمكنا منه ، وعلى هذا فيكون في « تَعْبُرُونَ » وجهان :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة هود ، ( 107 ) . ( 3 ) تقدم .