أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
187
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أنه خبر ثان ل « كُنْتُمْ » . والثاني : أنه حال من الضمير المرتفع بالجار لوقوعه خبرا . الثالث : أن تتعلق اللام بمحذوف على أنها للبيان ، كقوله تعالى : « وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ » ، تقديره : أعني فيه ، وكذلك هذا تقديره : أعني للرؤيا ، وعلى هذا يكون مفعول « تَعْبُرُونَ » محذوفا تقديره : تعبرونها ، وقرأ أبو جعفر « للريا » وبابها الرؤيا بالادغام ، وذلك أنه قلب الهمزة واوا ، لسكونها بعد ضمة ، فاجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء في الياء ، وهذه القراءة عندهم ضعيفة ، لأن البدل غير لازم ، فكأنه لم يوجد « واو » نظرا إلى الهمزة وعبرت الرّؤيا بالتخفيف . قال الزمخشري : « هذا الذي اعتمده الإثبات ورأيتهم ينكرون « عبّرت » بالتشديد والتعبير والمعبر ، قال : وقد عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب الكامل لبعض الأعراب : 2830 - رأيت رؤيا ثمّ عبّرتها * وكنت لللأحلام عبّارا « 1 » قال : وحقيقة عبرت الرؤيات : ذكرت عاقبتها ، وآخر أمرها ، كما تقول : عبرت النّهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه . قوله : أَضْغاثُ . خبر مبتدأ مضمر ، أي : هي أضغاث ، يعنون ما قصصته علينا ، والجملة منصوبة بالقول ، والأضغاث : جمع ضغث ، بكسر الضاد ، وهو ما جمع من النّبات سواء كان جنسا واحدا ، أو أجناسا مختلطة ، وهو أصغر من الحزمة ، وأكبر منه القبضة ، فمن مجيئه من جنس واحد ، قوله تعالى : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً ، روى في التفسير أنه أخذ عثكالا من نخلة . وفي الحديث : أنّه أتى بمريض وجب عليه حدّ ففعل به ذلك « 2 » ، وقال ابن مقبل : 2821 - خود كأنّ فراشها وضعت به * أضغاث ريحان غداة شمال « 3 » ومن مجيئه من اختلاط النّبات قولهم في أمثالهم « ضغث على إبّاله » « 4 » ، وقد خصصه الزمخشري مما جمع من اختلاط النبات ، فقال : « وأصل الأضغاث : ما جمع من أخلاط النبات وحزم ، الواحد ضغث » . وقال الراغب : « الضّغث : قبضة ريحان ، أو حشيش ، أو قبضتان » . قلت : وقد تقدم أنه أكثر من القبضة ، واستعمال الأضغاث هنا من باب الاستعارة ، والإضافة في « أَضْغاثُ أَحْلامٍ » إضافة بمعنى « من » ، إذ التقدير : أضغاث من أحلام ، والأحلام : جمع حلم ، والباء في « بِتَأْوِيلِ » متعلقة « بِعالِمِينَ » ، وفي « بِعالِمِينَ » لا تعلق لها ، لأنها زائدة ، إما في خبر الحجازية أو التميمية ، وقولهم ذلك يحتمل أن يكون نفيا للعلم بالرؤيا مطلقا ، وأن يكون نفيا للعلم بتأويل الأضغاث منها خاصة دون المنام الصحيح . وقال أبو البقاء : « أي بتأويل أضغاث الأحلام ، لا بد من ذلك ، لأنّهم لم يدّعوا الجهل بتعبير الرؤيا » انتهى . وقوله : الْأَحْلامِ وإنّما كان واحدا ، قال الزمخشري : كما تقول : فلان يركب
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 313 ) ، الكشاف ( 2 / 319 ) ، روح المعاني ( 12 / 250 ) . ( 2 ) أخرجه أبو داود 2 / 513 ، في كتاب الحدود باب إقامة الحد على المريض ( 4472 ) ، وابن ماجة ( 2 / 859 ) ، باب الكبير والمريض يجب عليه الحد ( 2574 ) ، والبيهقي ( 8 / 230 ) . ( 3 ) انظر البيت في تفسير الطبري ( 16 / 118 ) ، روح المعاني ( 12 / 259 ) . ( 4 ) مجمع الأمثال 1 / 260 .