أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

185

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أي : انفلت منهما ، والمعنى : أنّ أحدهما هو الناجي . وهذا المعنى الذي نبّه عليه ، بعيد توهمه . والضمير في « فَأَنْساهُ » يعود على الشّرابي ، وقيل : على يوسف ، وهو ضعيف . قوله : بِضْعَ سِنِينَ منصوب على الظرف الزماني ، وفيه خلاف ، فقال قتادة : هو ما بين الثلاث إلى التسع ، وقال أبو عبيدة : البضع لا يبلغ العقد ولا نصف العقد ، وإنما هو من الواحد إلى العشرة ، وقال مجاهد : هو من الثلاثة إلى السبعة ، وقال الفراء : « لا يذكر البضع إلّا مع العشرات ، ولا يذكر مع مائة ولا ألف » . وقال الراغب : « البضع بالكسر المتقطع من العشرة ، ويقال ذلك لما بين الثلاثة إلى العشرة » . قلت : فجعله مشتقا من مادة البضع ، وهو القطع ، ومنه : بضعت اللّحم ، أي : قطعته ، والبضاعة : قطعة مال التّجارة ، والمبضع : ما يبضع به ، والبعض : قد تقدم أنه من هذا المعنى عند ذكر البعوضة « 1 » . قوله : سِمانٍ . صفة ل « بَقَراتٍ » وهو جمع سمينة ، ويجمع « سمين » أيضا عليه ، ويقال : رجال سمان ، كما يقال : نساء كرام ، ورجال كرام ، والسّمين : مصدر سمن يسمن فهو سمين ، فالمصدر واسمه جاءا على غير قياس ، إذ قياسهما بفتح الميم فهو سمن بكسرها ، نحو : فرح فرحا فهو فرح . قال الزمخشري : « فإن قلت : هل من فرق بين إيقاع « سِمانٍ » صفة للمميز ، وهو « بَقَراتٍ » دون المميز ، وهو « سَبْعَ » ، وأن يقال : سبع بقرات سمانا ؟ قلت : إذا أوقعتها صفة ل « بَقَراتٍ » فقد قصدت أن تميز السبع بنوع من البقرات ، وهو السّمان منهن لا بجنسهن ، ولو وصفت بها السبع لقصدت إلى تمييز السبع بجنس البقرات لا بنوع منها ، ثم رجعت فوصفت المميز بالجنس بالسمن ، فإن قلت : هلّا قيل : « سَبْعٌ عِجافٌ » على الإضافة ؟ قلت : التمييز موضوع لبيان الجنس ، والعجاف وصف لا يقع البيان به وحده ، فإن قلت : فقد يقولون ثلاثة فرسان ، وخمسة أصحاب ، قلت : الفارس والصّاحب والرّاكب ، ونحو : صفات جرت مجرى الأسماء فأخذت حكمها ، وجاز فيها ما لم يجز في غيرها . ألا تراك لا تقول : عندي ثلاثة « ضخام » ولا أربعة « غلاظ » ، فإن قلت : ذاك مما يشكل ، وما نحن بسبيله لا إشكال فيه . ألا ترى أنه لم يقل : وبقرات سبع عجاف ، لوقوع العلم بأن المراد البقرات ؟ قلت : ترك الأصل لا يجوز مع وقوع الاستغناء عما ليس بأصل ، وقد وقع الاستغناء عن قولك : « سَبْعٌ عِجافٌ » عما تقترحه من التمييز بالوصف . انتهى . قلت : وهي أسئلة وأجوبة حسنة ، وتحقيق السؤال الأول وجوابه : أنه يلزم من وصف التمييز بشيء وصف المميز به ، ولا يلزم من وصف المميز وصف التمييز بذلك الشيء ، بيانه أنك إذا قلت : « عندي أربعة رجال حسان بالجر كان معناه أربعة من الرجال الحسان ، فيلزم حسن الأربعة ، لأنهم بعض الرجال الحسان » ، وإذا قلت : « عند أربعة رجال حسان » برفع « حسان » كان معناه أربعة من الرجال الحسان ، وليس فيه دلالة على وصف الرجال بالحسن . وتحقيق الثاني وجوابه : أن أسماء العدد لا تضاف إلى الأوصاف إلّا في ضرورة ، وإنما يجاء بها تابعة لأسماء العدد ، فيقولون : عندي ثلاثة قريشيون ، ولا يقال ثلاثة قريشيين بالإضافة ، إلّا في شعر ، ثم اعترض بثلاثة فرسان ، وأجاب يجريان ذلك مجرى الأسماء . وتحقيق الثالث : أنه إنما امتنع « ثلاثة ضخام » ونحوه ، لأنه لا يعلم موصوفه بخلاف الآية الكريمة ، فإنّ الموصوف معلوم ولذلك لم يصرح به ، وأجاب عن ذلك بأن الأصل عدم إضافة العدد إلى الصفة كما تقدم ، فلا يترك هذا الأصل مع الاستغناء بالفرع ، وعلى الجملة ففي هذه العبارة قلق هذا ملخصها . ولم يذكر الشيخ نصه ولا اعترض عليه بل لخص بعض معانيه « 2 » وتركه على إشكاله . وجمع عجفاء على عجاف ، والقياس : عجف نحو : حمراء وحمر حملا له على

--> ( 1 ) انظر سورة البقرة ، آية : ( 26 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 312 ) .