أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
17
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الجمهور ، لأن « الطريق » عندهم مختص كالدار ، فلا يصل إليه الفعل ، غيره « دخلت » عند سيبويه « 1 » . و « انطلقت » ، و « ذهبت » عند الفراء إلا بوساطة في إلّا في الضرورة ، وإذا كان كذلك فضميره أحرى ألا يتعدى إليه الفعل . وزعم ابن الطراوة : أن الطريق ظرف غير مختص فيصل إليه الفعل بنفسه وأباه النحاة . قوله : « حَتَّى إِذا » حتى : متعلقة ب « يُسَيِّرُكُمْ » ، وقد تقدم الكلام على « حَتَّى » هذه الداخلة على إذا وما قيل فيها « 2 » . قال الزمخشري : كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ، والتسيير في البحر إنما هو بالكون في الفلك ؟ قلت : لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ، ولكن مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد « حَتَّى » بما في حيزها كأنه قال : يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف وتراكم الأمواج وظنّ الهلاك والدعاء بالنجاة . وقرأ أبو الدرداء وأم الدرداء « في الفلكيّ » بياء النسب وتخريجها يحتمل وجهين : أحدهما : أن يراد به الماء الغمر الكثير الذي لا يجري الفلك إلّا فيه ، كأنه قيل : كنتم في اللج الفلكي ، ويكون الضمير في « جَرَيْنَ » عائدا على « الْفُلْكِ » لدلالة الفلكي عليه لفظا ولزوما . والثاني : أن يكون من باب النسبة إلى الصفة كقولهم : « أحمريّ » كقوله : 2596 - أطربا وأنت قنّسريّ * والدّهر بالإنسان دوّاويّ « 3 » وكنسبتهم إلى العلم في قولهم « الصّلتانيّ » كقوله : 2597 - أنا الصّلتانيّ الّذي قد علمتم * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 4 » فزاد ياء النسب على اسمه . قوله : « وَجَرَيْنَ » يجوز أن يكون نسقا على « كُنْتُمْ » ، وأن يكون حالا على إضمار « قد » والضمير عائد على « الْفُلْكِ » ، والمراد به هنا الجمع وقد تقدم أنه تكسير وأن تغييره تقديري ، فضمته كضمة « بدن » وأنه ليس باسم جمع كما زعم الأخفش . وقوله : « بِهِمْ » فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة . قال الزمخشري : « فإن » قلت : ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة ؟ قلت : المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ، ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح . وقال ابن عطية : « بِهِمْ » خروج من الخطاب إلى الغيبة ، وحسن ذلك ، لأن قوله : « كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ » هو بالمعنى المعقول حتى إذا حصل بعضكم في السفن انتهى . فقدر اسمها غائبا ، وهو ذلك المضاف المحذوف ، فالضمير الغائب يعود عليه ومثله : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ « 5 » تقديره : أو كذي ظلمات ، وعلى هذا فليس من الالتفات في شيء . وقال الشيخ : والذي يظهر أن حكمة الالتفات هنا هي أن قوله : « هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ » خطاب فيه امتنان وإظهار نعمة للمخاطبين المسيرين في البر والبحر مؤمنين وكفارا ، والخطاب شامل فحسن خطابهم بذلك ليستديم الصالح على الشكر ولعل الطالح يتذكر هذه النعمة ، ولما كان في آخر الآية ما يقتضي أنهم إذا نجوا بغوا في الأرض عدل عن
--> ( 1 ) أنظر الكتاب ( 1 / 159 ) . ( 2 ) أنظر سورة النساء ، آية : ( 6 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) صدر بيت للصلتان العيدى وعجز : * متى ما يحكّم فهو بالحقّ صادع أنظر البيت أمالي القالي ( 2 / 141 ) ، الشعر والشعراء ( 1 / 176 ) ، معاهد التنصيص ( 1 / 84 ) ، المحتسب ( 1 / 311 ) ، الخزانة ( 1 / 176 ) ، الأشمونى ( 4 / 203 ) ، البحر المحيط ( 5 / 138 ) ، والصلتان : الشديد الصلب . ( 5 ) سورة البقرة آية ، ( 164 ) . الدر المصون ( 4 ) / م 2