أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

18

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

خطابهم بذلك إلى الغيبة لئلا يخاطب المؤمنين بما لا يليق صدوره منهم وهو البغي بغير الحق . قوله : « بِرِيحٍ » متعلق ب « جَرَيْنَ » فيقال : كيف يتعدى فعل واحد إلى معمولين بحرف متحد لفظا ومعنى ؟ فالجواب أنّ « الباء » الأولى للتعدية كهي في « مررت بزيد » والثانية : « للسبب » ، فاختلف المعنيان ، فلذلك تعلقا بعامل واحد ، ويجوز أن تكون « الباء » الثانية للحال ، فتعلق بمحذوف والتقدير : جرين بهم ملتبسة بريح ، فيكون الحال من ضمير « الْفُلْكِ » . قوله : وَفَرِحُوا بِها يجوز أن تكون هذه الجملة نسقا على « جَرَيْنَ » وأن تكون حالا و « قد » معها مضمرة عند بعضهم أي : وقد فرحوا ، وصاحب الحال الضمير في « ربهم » . قوله : « جاءَتْها » الظاهر أن هذه الجملة الفعلية جواب « إِذا » ، وأن الضمير في « جاءَتْها » ضمير الريح الطيبة أي : جاءت الريح الطيبة ، ريح عاصف أي : خلفتها وبهذا بدأ الزمخشري وسبقه إليه الفراء ، وجوز أن يكون الضمير للفلك ورجح هذا بأن « الْفُلْكِ » هو المحدث عنه . قوله : وَظَنُّوا يجوز أن يكون معطوفا على « جاءَتْها » الذي هو جواب « إِذا » ، ويجوز أن يكون معطوفا على « كُنْتُمْ » ، وهو قول الطبري ولذلك قال : « وَظَنُّوا » جوابه « دَعَوُا اللَّهَ . » قال الشيخ « 1 » : ظاهرة العطف على جواب « إِذا » لا أنه معطوف على « كُنْتُمْ » لكنه يحتمل كما تقول : « إذا زارك فلان فأكرمه ، وجاءك خالد فأحسن إليه » ، وكأن أداة الشرط مذكورة . وقرأ زيد بن علي « حيط » ثلاثيا . قوله : دَعَوُا اللَّهَ قال أبو البقاء : « هو جواب ما اشتمل عليه المعنى من معنى الشرط » . تقديره : لما ظنوا أنهم أحبط بهم دعوا اللّه ، وهذا كلام فارغ . وقال الزمخشري : « هي بدل من « ظَنُّوا » لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو ملتبس به » . ونقل الشيخ عن شيخه أبي جعفر : أنه جواب سؤال مقدر كأنه قيل : فماذا كان حالهم إذ ذاك ؟ فقيل : دعوا اللّه . و « مُخْلِصِينَ » حال و « لَهُ » متعلق به ، و « الدِّينَ » مفعوله . قوله : لَئِنْ أَنْجَيْتَنا اللام : موطئة للقسم المحذوف ، و لَنَكُونَنَّ جوابه ، والقسم وجوابه في محل نصب بقول مقدر ، وذلك القول المقدر في محل نصب على الحال والتقدير : دعوا قائلين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن ، ويجوز أن يجري « دَعَوُا » مجرى « قالوا » ، لأن الدعاء بمعنى القول ، إذ هو نوع من أنواعه ، وهو مذهب الكوفي . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 23 إلى 25 ] فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 23 ) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 24 ) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 25 ) قوله : إِذا هُمْ يَبْغُونَ . جواب « لمّا » وهي « إِذا » الفجائية . وقوله : « بِغَيْرِ الْحَقِّ » حال أي : ملتبسين بغير الحق . قال الزمخشري : « فإن » قلت : ما معنى قوله : « بِغَيْرِ الْحَقِّ » والبغي لا يكون بحق ؟ قلت : بلى هو استيلاء المسلمين على أرض الكفار ، وهدم دورهم وإحراق زرعهم ، وقطع أشجارهم كما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ببني قريظة « 2 » . وكان قد فسر البغي

--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 139 ) . ( 2 ) متفق عليه من حديث ابن عمر رضى اللّه عنه .