أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
161
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الإعمال يستلزم الإضمار ، والحال لا تضمر لأنها لا تكون إلا نكرة ، أو مؤولة بها . قوله : أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ . فاعل : « يحزنني » أي يحزنني ذهابكم ، وفي هذه الآية دلالة على أن المضارع المقترن بلام الابتداء لا يكون حالا ، والنحاة جعلوها من القرائن المخصصة للحال ، ووجه الدلالة أن « أَنْ تَذْهَبُوا » مستقبل ، لاقترانه بحرف الاستقبال ، وهي وما في حيزها فاعل ، فلو جعلنا « لَيَحْزُنُنِي » حالا لزم سبق الفعل لفاعله وهو محال ، وأجيب عن ذلك بأن الفاعل في الحقيقة مقدر حذف هو ، وقام المضاف إليه مقامه ، والتقدير : ليحزنني توقع ذهابكم . وقرأ زيد بن علي وابن هرمز وابن محيصن « ليحزنّي » بالإدغام ، وقرأ زيد بن علي « تذهبوا » بضم التاء من أذهب ، وهو كقوله : تنبت بالدّهن « في قراءة من ضم التاء ، فتكون التاء زائدة أو حالية . و « الذِّئْبُ » بهمز ولا يهمز ، وبعدم الهمز قرأ السوسي والكسائي وورش ، وفي الوقف لا يهمزه حمزة ، قالوا : وهو مشتق من تذاءبت الرّيح إذا هبّت من كلّ جهة ، لأنه يأتي كذلك ، ويجمع على ذئاب وذؤباب وأذؤب قال : 2775 - وأزور يمطو في بلاد بعيدة * تعاوي به ذؤبانه وثعالبه « 1 » وأرض مذآبة كثيرة الذّئاب ، وذؤابة الشّعر لتحركها وتقلبها من ذلك . قوله : وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ جملة حالية العامل فيها « يَأْكُلَهُ » . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 14 إلى 18 ] قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ( 14 ) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 ) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) قوله : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ . جملة حالية أو معترضة ، و إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ جواب القسم ، وحذف جواب الشرط ، وقد تقدم القول في ذلك مشبعا « 2 » . ونقل أبو البقاء : أنه قرىء : « عصبة » بالنصب . وقدر ما قدمته في الآية الأولى . قوله : فَلَمَّا ذَهَبُوا . يجوز في جوابها أوجه : أحدها : أنه محذوف ، أي : عرفناه وأوصلنا إليه الطمأنينة ، وقدره الزمخشري ؛ فعلوا به ما فعلوا من الأذى . وذكر حكاية طويلة . وقدّره غيره : عظمت فتنتهم ، وآخرون ؛ جعلوه فيها . وهذا أولى لدلالة الكلام عليه .
--> ( 1 ) البيت لذي الرمة انظر ديوانه ( 65 ) . ( 2 ) انظر سورة البقرة ، آية : ( 145 ) .