أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

162

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الثاني : أن الجواب مثبت ، وهو قوله : « قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا » ، أي : لما كان كيت وكيت قالوا : هذا فيه بعد ، لبعد الكلام من بعضه . الثالث : أن الجواب هو قوله : « وَأَوْحَيْنا » ، والواو فيه زائدة ، أي : فلما ذهبوا به أوحينا وهو رأي الكوفيين ، وجعلوا من ذلك قوله تعالى : فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ « 1 » أي : تله . قوله : حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ « 2 » ، وقول امرئ القيس : 2776 - فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى * بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل « 3 » أي : فلما أجزنا انتحى ، وهو كثير عندهم بعد « لمّا » . وقوله : « أَنْ يَجْعَلُوهُ » مفعول « أَجْمَعُوا » أي : عزموا على أن يحطوه أو عزموا أن يجعلوه ، لأنه يتعدى بنفسه وب « على » ف « أن » يحتمل أن يكون على حذف الحرف ، وألا يكون . فعلى الأول : يحتمل موضعها النصب والجر ، وعلى الثاني : يتعين النصب . والجعل : يجوز أن يكون بمعنى الإلقاء ، وأن يكون بمعنى التصيير . فعلى الأول : يتعلق في « غَيابَتِ » بنفس الفعل قبله ، وعلى الثاني : بمحذوف ، والفعل من قوله : « وَأَجْمَعُوا » يجوز أن يكون معطوفا على ما قبله ، وأن يكون حالا وقد معه مضمرة عند بعضهم . وقرأ العامة : لتنبّئنّهم » بتاء الخطاب ، وقرأ ابن عمر : بياء الغيبة ، أي : اللّه تعالى . قال الشيخ : « وكذا في بعض مصاحف البصرة » . وقد تقدم أنّ النقط حادث ، فإن قال مصحف حادث غير مصحف عثمان فليس الكلام في ذلك . وقرأ سلام « لننبّئنّهم » بالنون ، وهذا صفة ل « أمرهم » وقيل : بدل ، وقيل : بيان ، قوله : وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ جملة حالية ، يجوز أن يكون العامل فيها « أَوْحَيْنا » ، أي : أوحينا إليه من غير شعور بالوحي ، وأن يكون العامل فيها « لَتُنَبِّئَنَّهُمْ » أي : تخبرهم وهم لا يعرفونك لبعد المدة وتغير الأحوال . قوله : عِشاءً . يجوز فيه وجهان : أحدهما : وهو الذي لا ينبغي أن يقال غيره - أنه ظرف زمان ، أي : جاءوه في هذا الوقت . و « يَبْكُونَ » جملة حالية ، أي : جاءوه باكين . والثاني : أن يكون « عِشاءً » جمع عاش ، كقائم وقيام . قال أبو البقاء : ويقرأ بضم العين ، والأصل : عشاة مثل غاز وغزاة ، فحذفت الهاء وزيدت الألف عوضا منها ، ثم قلبت الألف همزة ، وفيه كلام قد ذكر في آل عمران عند قوله : أَوْ كانُوا غُزًّى « 4 » ، ويجوز أن يكون جمع فاعلا على فعال كما جمع فعيل على فعال لقرب ما بين الكسر والضم ، ويجوز أن يكون ك « تؤام ورباب » وهو شاذ . « قلت : وهذه القراءة قراءة الحسن البصري ، وهي من العشوة والعشوة وهي الظلام » ، وقرأ الحسن أيضا « عشا » على وزن دجى نحو : غاز وغزاة ، ثم حذف منه تاء التأنيث من مألكة ، فقالوا : مألك ، وعلى هذه الأوجه يكون منصوبا على الحال ، وقرأ الحسن أيضا « عشيّا » مصغّرا . و نَسْتَبِقُ .

--> ( 1 ) سورة الصافات ، آية : ( 103 ) . ( 2 ) سورة الزمر ، آية : ( 73 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) آية : رقم ( 156 ) .