أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
157
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : . . . أَرْضاً . . . . فيه ثلاثة أوجه . أحدها : أن تكون منصوبة على إسقاط الخافض تخفيفا ، أي في أرض ، كقوله : « لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ » « 1 » ، وقوله : 2764 - . . . . . . . . . . . . . . . . * . . . . . . . . كما عسل الطّريق الثّعلب « 2 » وإليه ذهب الحوفي وابن عطية . والثاني : النصب على الظرفية ، قال الزمخشري : « أرضا منكورة مجهولة بعيدة من العمران ، وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الناس ، ولا بهامها من هذا الوجه ، نصب نصب الظروف المبهمة » . وقد رد ابن عطية هذا الوجه فقال : « وذلك خطأ ، لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهما ، وهذه ليست كذلك ، بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ، أو نحو ذلك ، فزال بذلك إبهامها ، ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في الأرض فتبين أنهم أرادوا أرضا بعيدة غير التي هو فيها قريبة من أبيه . واستحسن الشيخ هذا الرد فقال : « وهذا الرد صحيح لو قلت : جلست دارا بعيدة ، أو مكانا بعيدا ، لم يصح إلّا بواسطة « في » ، ولا يجوز حذفها إلّا في ضرورة شعر ، أو مع « دخلت » على الخلاف في « دخلت » أهي لازمة أم متعدية . قلت : وفي الكلامين نظر ، إذ الظرف المبهم عبارة عما ليس له حدود تحصره ، ولا أقطار تحويه ، و « أَرْضاً » في الآية الكريمة من هذا القبيل . الثالث : أنها مفعول ثان ، وذلك أن يضمن « اطْرَحُوهُ » انزلوه ، وأنزلوا يتعدى لاثنين ، قال تعالى : أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً « 3 » ، وتقول : أنزلت زيدا الدار ، والطّرح : الرّمي ، ويعبّر به عن الاقتحام في المخاوف ، قال عروة بن الورد : 2765 - ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا * من المال يطرح نفسه كلّ مطرح « 4 » و « يَخْلُ لَكُمْ » جواب للأمر وفيه الإدغام والإظهار . وقد تقدم تحقيقها عند قوله : يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ « 5 » . قوله : « وَتَكُونُوا » يجوز أن يكون مجزوما نسقا على ما قبله ، أو منصوبا بإضمار « أن » بعد « الواو » في جواب الأمر . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 10 إلى 11 ] قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 10 ) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) قوله : فِي غَيابَتِ . قرأ نافع « غيابات » بالجمع في الحرفين من هذه السورة ، جعل ذلك المكان أجزاء وسمى كل جزء « غَيابَتِ » ، والباقون بالإفراد ، وهو واضح ، وابن هرمز كنافع ، إلا أنه شدّد الياء ، والأظهر في هذه القراءة أن يكون سمى باسم الفاعل الذي للمبالغة ، فهو وصف في الأصل ، وألحقه الفارسي بالاسم الجاري على « فعّال » نحو ما ذكر سيبويه من
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، آية : ( 16 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة المؤمنون ، آية : ( 29 ) . ( 4 ) انظر البيت في ديوانه ( 23 ) ، العمدة لابن رشيق ( 1 / 48 ) ، روح المعاني ( 12 / 192 ) . ( 5 ) سورة آل عمران ، آية : ( 85 ) .