أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
156
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الحب والبغض ، تعدى إلى الفاعل المعنوي بإلى ، وإلى المفعول المعنوي باللام ، أو ب « فِي » ، فإذا قلت : « زيد أحبّ إليّ من بكر » تعني : أنك تحب زيدا أكثر من بكر ، فالمتكلم هو الفاعل ، وكذلك : « هو أبغض إليّ منه أنت المبغض » وإذا قلت : « زيد أحبّ لي من عمرو ، أو أحب فيّ منه » أي : إن زيدا يحبني أكثر من عمرو . قال امرؤ القيس : 2762 - لعمري ! لسعد حيث حلّت دياره * أحبّ إلينا منك فافرس حمر « 1 » وعلى هذا جاءت الآية الكريمة ، فان الأب هو فاعل المحبة ، و « اللام » في « لَيُوسُفُ » لام الابتداء ، أفادت توكيدا لمضمون الجملة . وقوله : « أَحَبُّ » خبر المثنى ، وإنما لم يطابق لما عرفت من حكم أفعل التفضيل والواو في « ونحن عصبة » للحال ، فالجملة بعدها في محل نصب على الحال ، والعامة على رفع « عُصْبَةٌ » خبرا ل « نَحْنُ » ، وقرأ أمير المؤمنين : بنصبها على أن الخبر محذوف ، والتقدير : ونحن نرى أو نجتمع فتكون « عُصْبَةٌ » حالا ، إلا أنه قليل جدا ، وذلك لأن الحال لا يسد مسد الخبر إلا بشروط ذكرها النحاة ، نحو : « ضربي زيدا قائما » ، « وأكثر شربي السّويق ملتويا » . قال ابن الأنباري : هذا كما تقول العرب : إنما العامري عمّته ، أي : يتعمم . قال الشيخ « 2 » : « وليس مثله ، لأن « عُصْبَةٌ » ليس بمصدر ، ولا هيئة ، فالأجود أن يكون من باب : « حكمك مسمّطا » . قلت : ليس مراد ابن الأنباري إلا التشبيه من حيث إنه حذف الخبر وسدّ شيء آخر مسده ، في غير المواضع المنقاس فيها ذلك . ولا نظر لكون المنصوب مصدرا ، أو غيره . وقال المبرد : هو من باب « حكمك مسمّطا » ، أي : حكمك مسمطا . قال الفرزدق : 2763 - يا لهذم حكمك مسمطا « 3 » حكمك مسمطا . قال : واستعمل هذا فكثر حتى حذف استخفافا لعلم ما يريد القائل أراد لك كقولك : « الهلال واللّه » أي : « هذا الهلال ، والمسمط المرسل غير المردود » . ما يريد القائل وقدره غير المبرد حكمك ثبت مسمطا ، وفي هذا المثال نظر ، لأنّ النحويين يجعلون من شرط سد مسد الخبر ، أن لا يصلح جعل الحال خبرا ، لذلك المبتدأ ، نحو : ضربي زيدا قائما بخلاق « ضربي زيدا شديد » فإنها ترفع على الخبرية ، وتخرج المسألة من ذلك وهذه الحال - أعني - مسمطا يصلح جعلها خبرا للمبتدأ ، إذ التقدير : حكمك مرسل لا مردود ، فيكون هذا المثال على ما قدرته من كلامهم شاذا . و « العصبة » . ما زاد على العشرة ، عن ابن عباس ، وعنه : ما بين عشرة إلى أربعين ، وقيل : الثلاثة نفر ، فإذا زاد على ذلك إلى تسعة فهم « رهط » ، فإذا بلغوا العشرة فصاعدا فعصبة وقيل : ما بين الواحد إلى العشرة ، وقيل : من عشرة إلى خمسة عشر ، وقيل : ستة وقيل : سبعة ، والمادة تدل على الإحاطة من العصابة ، لاحتياطها بالرأس .
--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 75 ) ، التهذيب واللسان « حمر » . وروايته في الديوان : لعمري لسعد بن الضبّاب إذا غدا * أحب إلينا منك فافرس حمر فافرس حمر : أي يا منتن الريح كنتن فم الفرس الحمر الذي أكل شعيرا كثيرا حتى عق فإذا كان في هذه الحالة نتن فمه . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 283 ) . ( 3 ) البيت وهو من شواهد البحر ( 5 / 283 ) ، روح المعاني ( 12 / 190 ) .