أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
146
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الزّلف ساعات الليل وآناؤه ، وكلّ ساعة منه زلفة ، فلم يخصّصا بأول الليل ، وقال العجاج : 2751 - ناج طواه الأين ممّا وجفا * طيّ اللّيالي زلفا فزلفا « 1 » سماوة الهلال حتّى احقوقفا وأصل الكلمة : من الزّلفى ، وهو القرب ، يقال : أزلفه فازدلف أي : قرّبه فاقترب ، قال تعالى : وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ، وفي الحديث ؛ « ازدلفوا إلى اللّه بركعتين » . وقال الراغب : والزّلفة المنزلة والحظوة ، وقد استعملت الزّلفة في معنى العذاب كاستعمال البشارة ونحوها ، والزّالف المراقي ، وسمّيت ليلة المزدلفة لقربهم من منى بعد الإفاضة . قوله : مِنَ اللَّيْلِ صفة ل « زُلَفاً » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 116 ] فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ ( 116 ) قوله : فَلَوْ لا كانَ . لولا : تحضيضية ، دخلها معنى التفجع عليهم ، وهو قريب من مجاز قوله تعالى : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ « 2 » . ويروى عن الخليل أنه قال : كلّ لولا في القرآن فمعناها هلّا إلا التي في الصافات « 3 » : فَلَوْ لا أَنَّهُ ، لا يصح عنه لورودها كذلك في غير الصافات : لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ « 4 » ، وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ « 5 » ، وَلَوْ لا رِجالٌ « 6 » . « و مِنَ الْقُرُونِ » يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من « أُولُوا بَقِيَّةٍ » ، لأنه لو تأخر عنه لجاز أن يكون نعتا له ، و « مِنْ قَبْلِكُمْ » حال من « الْقُرُونِ » ، و « يَنْهَوْنَ » حال من « أُولُوا بَقِيَّةٍ » لتخصصه بالإضافة ، ويجوز أن يكون نعتا ل « أُولُوا بَقِيَّةٍ » ، وهو أولى ويضعف أن تكون « كانَ » هذه ناقصة ، لبعد المعنى من ذلك ، وعلى تقديره يتعين تعلق « مِنَ » بالمحذوف على أنه حال ، لأن « كانَ » الناقصة لا تعمل عند جمهور النحاة ، ويكون « يَنْهَوْنَ » في محل نصب خبرا ل « كانَ » ، وقرأ العامة « بَقِيَّةٍ » بفتح الباء ، وتشديد الياء ، وفيها وجهان ، أحدهما : أنها صفة على « فعيلة » للمبالغة بمعنى فاعل ، ولذلك دخلت التاء فيها ، والمراد بها حينئذ جيد الشيء وخياره ، وإنما قيل لجيده وخياره : بقيّة من قولهم : فلان بقيّة النّاس ، وبقيّة كرام ، لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله ، وعليه حمل بيت الحماسة : 2752 - إن تذنبوا ثمّ تأتيني بقيّتكم * . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 7 » وفي المثل : « في الزّوايا خبايا ، وفي الرّجال بقايا » . والثاني : أنها مصدر بمعنى : البقوى : قال الزمخشري : « ويجوز أن تكون البقيّة » بمعنى البقوى ، كالتّقيّة بمعنى التّقوى ، أي : فهلّا كان منهم ذووا ابقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط اللّه وعقابه » . وقرأت فرقة « بقية »
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة يس ، آية : ( 30 ) . ( 3 ) آية : رقم ( 143 ) . ( 4 ) سورة القلم ، آية : ( 49 ) . ( 5 ) سورة الإسراء ، آية : ( 74 ) . ( 6 ) سورة الفتح ، آية : ( 25 ) . ( 7 ) تقدم .