أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

147

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بتخفيف الياء ، وهو اسم فاعل من : « بقي ك « شجية » من « شجى » والتقدير : أولوا طائفة بقية ، أي : باقية ، وقرأ أبو جعفر وشيبة : « بقية » بضم الباء وسكون العين ، وقرىء : « بقية » على المرة من المصدر . و « فِي الْأَرْضِ » متعلق ب « الْفَسادِ » والمصدر المقترن ب « أن » يعمل في المفاعيل الصريحة ، فكيف في الظروف ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من « الْفَسادِ » . قوله : إِلَّا قَلِيلًا فيه وجهان : أحدهما : أن يكون استثناء منقطعا ، وذلك أن يحمل التحضيض على حقيقته ، وإذا حمل على حقيقته تعين أن يكون الاستثناء منقطعا ، لئلا يفسد المعنى . قال الزمخشري : « معناه ولكن قليلا ممّن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي » . ثم قال : « فإن قلت : هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه ؟ قلت : إن جعلته متصلا على ما عليه ظاهر الكلام ، كان المعنى فاسدا ، لأنه يكون تحضيضا لأولي البقية على النهي عن الفساد ، إلّا للقليل من الناجين منهم ، كما تقول : هلّا قرأ قومك القران إلا الصّلحاء منهم » ؟ . تريد استثناء الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن . قلت : لأن الكلام يؤول إلى أنّ الناجين لم يحضوا على النهي عن الفساد وهو معنى فاسد . والثاني : أن يكون متصلا ، وذلك بأن يؤول التحضيض بمعنى النفي فيصح ذلك ، إلّا أنه يؤدي إلى النصب في غير الموجب ، وإن كان غير النصب أولى . قال الزمخشري : « فإن قلت : في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم ، فكأنه قيل : ما كان من القرون أولوا بقية إلا قليلا ، كان استثناء متصلا ، ومعنى صحيحا ، وكأن انتصابه على أصل الاستثناء ، وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل » . قلت : ويؤيد أن التحضيض هنا في معنى النفي قراءة زيد بن علي « إلّا قليل » بالرفع لاحظ معنى النفي فأبدل على الأفصح كقوله : ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ . وقال الفراء : « والمعنى : فلم يكن » . لأن في الاستفهام ضربا من الجحد سمّي التحضيض استفهاما . ونقل عن الأخفش أنه كان يرى تعين اتصال هذا الاستثناء كأنه لحظ النفي و « من » في : « مِمَّنْ أَنْجَيْنا » للتبعيض ، ومنع الزمخشري أن تكون للتبعيض ، بل للبيان فقال : « حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض ، لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم ، بدليل قوله تعالى : أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ ، قلت : فعلى الأول يتعلق على أنها صفة ل « قَلِيلًا » وعلى الثاني : يتعلق بمحذوف على سبيل البيان ، أي : أعني قوله : « وَاتَّبَعَ » العامة على « اتَّبَعَ » بهمزة وصل ، وتاء مشددة وباء مفتوحة فعلا ماضيا مبنيا للفاعل ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه معطوف على مضمر . والثاني : أن الواو للحال لا للعطف ، ويتضح ذلك بقول الزمخشري : فإن قلت : علام عطف قوله « وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا » ؟ قلت : إن كان معناه : واتبعوا الشهوات ، كان معطوفا على مضمر ، لأن المعنى : إلّا قليلا ممّن أنجينا نهوا عن الفساد ، واتبع الذين ظلموا شهواتهم ، فهو عطف على نهوا ، وإن كان معناه واتبعوا جزاء الإتراف ، فالواو للحال ، كأنه قيل : أنجينا القليل ، وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم . قلت : فجوّز في قوله : « ما أُتْرِفُوا » وجهين : أحدهما : أنه مفعول من غير حذف مضاف ، أي : جزاء ما أترفوا ، ورتب على هذين الوجهين القول في « وَاتَّبَعَ » كما عرفت . والإتراف : أفعال من الترف ، وهو النّعمة ، يقال : صبيّ مترف ، أي : منعّم البدن ، وأترفوا : نعّموا ، وقيل : التّرفة : التّوسع في النّعمة . وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي ، وأبو جعفر « وأتبع » بضم همزة القطع