أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

137

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : في اللام أنها للابتداء الداخلة على خبر « إن » . الثاني : لام الموطئة للقسم . الثالث : أنها مزيدة للفصل بين اللامين ، وأما قراءة أبي بكر ففيها أوجه : أحدها : ما ذهب إليه الفراء وجماعة من نحاة البصرة والكوفة ، وهو أن الأصل « لمن مّا » بكسر الميم على أنها « من » الجارة ، دخلت على « ما » الموصولة أو الموصوفة ، كما تقرر ، أي : لمن الذين واللّه ليوفينهم ، أو لمن خلق واللّه ليوفينهم ، فلما اجتمعت النون الساكنة قبل ميم « ما » وجب ادغامها فيها ، فقلبت ميما وأدغمت ، فصار في اللفظ ثلاثة أمثال ، فخففت الكلمة بحذف إحداها ، فصار اللفظ كما ترى ، كما قال نصر بن علي الشيرازي : وصل من الجارة ب « ما » فانقلبت النون أيضا ميما للادغام ، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت إحداهنّ فبقي « لَمَّا » بالتشديد ، قال : « وما » هنا بمعنى « من » ، وهو اسم لجماعة الناس ، كما قال تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ « 1 » ، أي : من طاب ، والمعنى : وإن كلّا من الذين ليوفينهم ربك أعمالهم أو من جماعة ليوفينهم ربك أعمالهم . وقد عين المهدوي الميم المحذوفة فقال : « حذفت الميم المكسورة ، والتقدير : لمن خلق ليوفينهم . الثاني : ما ذهب إليه المهدوي ومكي : وهو أن يكون الأصل « لمن ما » بفتح ميم « من » على أنها موصولة ، أو موصوفة ، و « ما » بعدها مزيدة ، قال : فقلبت النون ميما وأدغمت في الميم التي بعدها ، فاجتمع ثلاث ميمات ، فحذفت الوسطى منهن ، وهي المبدلة من النون ، فقيل : لمّا . قال مكي : « والتقدير : وإن كلّا لخلق ليوفينهم ربك أعمالهم » . فيرجع إلى معنى القراءة الأولى ، بالتخفيف ، وهذا هو الذي حكاه الزجاج عن بعضهم فقال : زعم بعض النحويين أن أصله « لمن ما » ثم قلبت النون ميما فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى . قال : وهذا القول ليس بشيء ، لأن « من » لا يجوز حذف بعضها ، لأنها اسم على حرفين وقال النحاس : « قال أبو إسحاق : هذا خطأ ، لأنه بحذف النون من « من » فيبقى حرف واحد . وقدره الفارسي أيضا ، فقال : إذا لم يقو الإدغام على تحريك الساكن قبل الحرف المدغم في نحو : « قدّم مالك » فإنه لا يجوز الحذف أبدا . قال : على أن في هذه السورة ميمات اجتمعت في الإدغام ، أكثر مما كانت تجتمع في « لمن ما » ، ولم يحذف منها شيء ، وذلك في قوله تعالى : وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ، « فإذا لم يحذف شيء من هذا فان لا يحذف ثم أجدر » . قلت اجتمع في « أمم ممّن معك » ثمانية ميمات ، وذلك أن « أمما » فيها ميمان وتنوين ، والتنوين يقلب ميما لإدغامه في ميم « من » ومعنا نونان « من » الجارة ، ونون « من » الموصولة ، فيقلبان أيضا ميما ، لإدغامهما في الميم بعدهما ، ومعنا ميم « معك » فتحصل معنا خمس ميمات ملفوظ بها ، وثلاث منقلبة أحدها عن تنوين ، واثنتان عن نون ، واستدل الفراء على أنّ أصل « لَمَّا » « لمن ما » ، يقول الشاعر : 2736 - وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة * على رأسه تلقي اللّسان من الفم « 2 » ويقول الآخر :

--> ( 1 ) سورة النساء ، آية : ( 3 ) . ( 2 ) البيت لإبي حية النميري وهو من شواهد الكتاب ( 3 / 156 ) ، الأزهية ( 90 ) ، المقتضب ( 4 / 174 ) ، الخزانة ( 10 / 214 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 242 ) ، الهمع ( 2 / 35 ) ، التصريح ( 2 / 10 ) ، شرح الرضى ( 2 / 320 ) ، الدرر ( 2 / 35 ) ، البحر المحيط ( 2 / 278 ) .