أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
138
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
2737 - وإنّي لممّا أصدر الأمر وجهه * إذا هو أعيا بالسّبيل مصادره « 1 » قلت : وقد تقدم في سورة آل عمران « 2 » في قراءة من قرأ : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ بتشديد « لما » أن الأصل : « لمن ما » ففعل فيه ما تقدم ، وهذا أحد الأوجه المذكورة في تخريج هذا الحرف من سورته ، وذكرت ثمّة ما قاله الناس فيه فعليك بالنظر فيه . وقال أبو شامة : « وما قاله الفراء استنباط حسن » ، وهو قريب من قولهم : لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي إن أصله : « لكن أنا » ثم حذفت الهمزة ، وأدغمت النون في النون ، وكذا قولهم : « أمّا أنت منطلقا انطلقت » . قالوا المعنى : لأن كنت منطلقا . قلت : وفيما قاله نظر ، لأنه ليس فيه حذف البتة ، وإنما كان يحسن التنظيران لو كان فيما جاء به إدغام ثم حذف ، أما مجرد التنظير بالقلب والإدغام فغير طائل ، ثم قال أبو شامة : « وما أحسن ما استخرج الشاهد من البيت » . يعني : الفراء . ثم الفراء أراد أن يجمع بين قراءتي التخفيف والتشديد من « لما » في معنى واحد ، فقال : « ثم يخفف ، كما قرأ بعض القراء » : « والبغي يعظكم » بحذف الياء ، أنشدني الكسائي : 2738 - وأشمتّ العداة بنا فأضحوا * لديّ تباشرون بما لقينا « 3 » فحذفت ياؤه لاجتماع الياءات . قلت : الأولى أن يقال : حذفت ياء الإضافة من « لديّ » فبقيت الياء الساكنة قبلها المنقلبة عن الألف في « لديّ » وهو مثل قراءة من قرأ « يا بني » بالإسكان على ما سبق ، وأما الياء من « يتباشرون » فثابتة ، لدلالتها على المضارعة ، ثم قال الفراء ، ومثله : 2739 - كانّ من آخرها القادم « 4 » يريد : إلى القادم فحذفت اللام عند اللام . قلت : توجيه قولهم : « من آخرها إلى القادم » . أن ألف « إلى » حذفت لالتقاء الساكنين ، وذلك أنّ ألف « إلى » ساكنة ، ولام التعريف « من القادم » ساكنة ، وهمزة الوصل حذفت درجا ، فلما التقيا أولهما فالتقى لأمان ، لام « إلى » و « لام » التعريف ، فحذفت الثانية على رأيه ، والأولى حذف الأولى ، لأن الثانية دالة على التعريف ، فلم يبق من حرف غير الهمزة ، فاتصلت بلام القادم ، فبقيت الهمزة على كسرها ، فلهذا تلفظ بهذه الكلمة « من آخرها » إلى « القادم » بهمزة مكسورة ثابتة درجا ، لأنها همزة قطع . قال أبو شامة : « وهذا قريب من قولهم : ملكذب وعلماء بنو فلان ، وبلعنبر ، يريدون : من الكذب ، وعلى الماء بنو فلان ، وبنو العنبر . قلت : يريد قوله : 2740 - أبلغ أبا دختنوس مألكة * غير الّذي قد يقال ملكذب « 5 » وقول الآخر : 2741 - فما سبق القيسيّ من سوء فعله * ولكن طفت علماء غرلة خالد « 6 »
--> ( 1 ) انظر البيت في تفسير الطبري ( 15 / 494 ) ، روح المعاني ( 12 / 150 ) ، الفراء ( 2 / 29 ) ، القرطبي ( 9 / 105 ) . ( 2 ) آية : ( 81 ) . ( 3 ) انظر تفسير الطبري ( 15 / 495 ) ، الفراء ( 2 / 29 ) . ( 4 ) انظر الطبري ( 15 / 494 ) ، الفراء ( 2 / 29 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) البيت للفرزدق وليس في ديوانه ، والمقتضب ( 1 / 286 ) ، وأمالي ابن الشجري ( 2 / 4 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 10 / 155 ) .