أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
134
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
العاشر : أنه استثناء من مدة السماوات والأرض التي فرضت لهم في الحياة الدنيا . الحادي عشر : أنه استثناء من البرزخ الذي بين الدنيا والآخرة . الثاني عشر : أنه استثناء من المسافات التي بينهم في دخول النار ، إذ دخولهم إنما هو زمرا بعد زمر . الثالث عشر : أنه استثناء من قوله : « فَفِي النَّارِ » كأنه قال : إلا ما شاء ربك من تأخر قوم عن ذلك ، وهذا القول مروي عن أبي سعيد الخدري وجابر . الرابع عشر : أن « إِلَّا ما شاءَ » بمنزلة : كما شاء قيل : كقوله تعالى : ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ « 1 » ، أي : كما قد سلف . قوله : عَطاءً نصب على المصدر مؤكد من معنى الجملة قبله ، لأن قوله فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ ، يقتضي اعطاء وانعاما فكأنه قيل : يعطيهم عطاء ، و « عَطاءً » اسم مصدر ، والمصدر في الحقيقة الاعطاء على الأفعال ، أو يكون مصدرا على حذف الزوائد كقوله : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً « 2 » أو منصوب بمقدر موافق له ، أي : فنبتم نباتا ، وكذلك هنا ، فيقال : عطوت بمعنى : تناولت . و غَيْرَ مَجْذُوذٍ « 3 » نعته ، و « المجذوذ » : المقطوع ، ويقال : لفتات الذّهب والفضة والحجارة جذاذ من ذلك ، وهو قريب من الجذ بالمهملة في المعنى ، إلا أن الرّاغب جعل « جذّ » بالمهملة بمعنى : قطع الأرض المستوية ، ومنه : جدّ في سيره يجدّ جدّا . ثم قال : وتصوّر من جدّدت القطع المجرّد ، فقيل : جددت الثوب ، إذا قطعته على وجه الإصلاح ، وثوب جديد أصله : المقطوع ، ثم جعل لكل ما أحدث انشاؤه . والظاهر أن المادتين متقاربتان في المعنى ، وقد ذكرت لها نظائر نحو : عتى وعثى ، وكتب وكثب . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 109 إلى 110 ] فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ( 109 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 110 ) قوله : مِمَّا يَعْبُدُ . ما : في « مِمَّا يَعْبُدُ » وفي « كَما يَعْبُدُ » مصدرية ، ويجوز أن تكون الأولى اسمية دون الثانية . قوله : لَمُوَفُّوهُمْ قرأ العامة بالتشديد من « وفّاه » مشددا ، وقرأ ابن محيص . « لموفوهم » بالتخفيف من « أوفى » كقوله : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ، وقد تقدم في البقرة أنّ فيه ثلاث لغات . قوله : غَيْرَ مَنْقُوصٍ حال من « نَصِيبَهُمْ » ، وفي ذلك احتمالان : أحدهما : أن يكون حالا مؤكدة لأن لفظ التوفية يشعر بعدم النقص فقد أستفيد معناها من عاملها ، وهو شأن المؤكدة . والثاني : أن يكون حالا مبينة . قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف نصب « غَيْرَ مَنْقُوصٍ » حالا من النصيب الموفى ؟ قلت : يجوز أن يوفى وهو ناقص ، ويوفى وهو كامل » ، ألا تراك تقول : وفّيته شطر حقّه وثلث حقّه وحقّه كاملا
--> ( 1 ) سورة النساء ، آية : ( 22 ) . ( 2 ) سورة نوح ، آية : ( 17 ) . ( 3 ) آية : رقم ( 108 ) .