أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

135

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وناقصا . وظاهر هذه العبارة أنها مبينة ، إذ عاملها محتمل لمعناها ولغيره إلا أن الشيخ قال بعد كلامه هذا « 1 » : وهذه مغلطة إذ قال : وفيته شطر حقّه ، فالتوفية وقعت في الشطر وكذا في الثلث ، والمعنى : أعطيته الشطر أو الثلث كاملا لم أنقصه شيئا ، وأما قوله : وحقه كاملا وناقصا . أمّا كاملا فصحيح وهي حال مؤكدة ، لأن التوفية تقتضي الإكمال ، وأما : وناقصا فلا يقال ، لمنافاته التوفية . وفي منع الشيخ أن يقال : وفيته حقه ناقصا نظر . إذ هو سائغ في تركيبات الناس المعتبر قولهم ، لأن المراد بالتوفية مطلق التأدية . قوله : فَاخْتُلِفَ فِيهِ . أي : في الكتاب ، و « في » على بابها من الظرفية ، وهو هنا مجاز ، أي : في شأنه ، وقيل : هي سببية ، أي : هو سبب اختلافهم ، كقوله تعالى : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ « 2 » ، أي : يكثركم بسببه ، وقيل : هي بمعنى « على » ويكون الضمير لموسى - عليه السّلام - أي : فاختلف عليه . و مُرِيبٍ : من أراب : إذا حصل الرّيب لغيره أو صار هو في نفسه ذا ريب ، وقد تقدم . [ سورة هود ( 11 ) : آية 111 ] وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 111 ) قوله : وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ . هذه الآية الكريمة مما تكلم الناس فيها قديما وحديثا وعسر على أكثرهم تلخيصها قراءة وتخريجا ، وقد سهل اللّه تعالى فذكرت أقاويلهم ، وما هو الراجح منها فقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر عن عاصم : « وإن » بالتخفيف ، والباقون بالتشديد . وأما « لَمَّا » فقرأها مشددة هنا وفي « يس » وفي سورة « الزخرف » وفي سورة « وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ » : ابن عامر وعاصم وحمزة ، إلا أنه عن ابن عامر في الزخرف خلاف ، فروى عن هشام وجهين ، وروى عنه ابن ذكوان التخفيف فقط ، والباقون قرأوا جميع ذلك بالتخفيف ، وتلخص من هذا أن نافعا وابن كثير قرآ « وإن » و « لما » مخففتين ، وأن أبا عن عاصم خفف « إن » وثقل « لَمَّا » ، وأنّ ابن عامر وحمزة وحفصا عن عاصم شددوا « إِنَّ و لَمَّا » معا ، وأن أبا عمرو والكسائي شددا « إِنَّ » وخففا « لما » فهذه أربع مراتب للقراء في هذين الحرفين ، هذا في المتواتر ، وأما في الشاذ فقد قرىء أربع قراءات أخر : إحداها : قراءة أبي والحسن وأبان بن تغلب « وإن كلّ » بتخفيفها ورفع « كلّ لمّا » بالتشديد . والثانية : قراءة اليزيدي وسليمان بن أرقم « لَمَّا » مشددة منونة ، ولم يتعرضوا لتخفيف « إِنَّ » ، ولا لتشديدها . الثالثة : قراءة الأعمش ، وهي في حرف ابن مسعود كذلك « وإن كلّ » بتخفيف « إن » ، ورفع « كلّ » . الرابعة : قال أبو حاتم : الذي في مصحف « أبي » اضطرب الناس فيه اضطرابا كثيرا . حتى قال أبو شامة : « وأما هذه الآية فمعناها على القراءات من أشكل الآيات » . وتسهيل ذلك بعون اللّه أن أذكر كل قراءة على حدتها ، وما قيل فيها . فأمّا قراءة الحرميين ففيها إعمال « إن » المخففة وهي لغة ثابتة عن العرب . قال سيبويه : حدّثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول : « إن عمرا لمنطلق » ، كما قال :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 266 ) . ( 2 ) سورة الشورى ، آية : ( 11 ) .